الوجوب والامتناع تخيّلاتهما (١) ؛ وثبوت الإمكان للعالم أزلا لا ينافي ذلك ؛ إذ لا يلزم من أزلية إمكانه امكان أزليته ؛ إذ إمكان أزلية الشيء إنّما يتحقّق إذا كان إمكانه الوقوعي أزليا.
ألا ترى أنّ الحادث بشرط كونه حادثا إمكانه أزلي / A ١٩٦ / وليس أزليته ممكنا؟! لاستحالة أزلية الحادث من حيث إنّه حادث ؛ والإمكان الذاتي متحقّق في الأزل فلا انقلاب ؛ والوقوعي غير متحقّق فيه فلا قدم ؛ فلمّا زال المانع من جهة وصار ممكنا بالإمكان الوقوعي وجد ؛ فلا تأخّر في الإفاضة ولا تغيّر في الذات ولا تخلّف للمعلول عن علّته التامّة.
ثمّ سلّم أنّ المجرّدات من العقول والنفوس يمكن قبولها أزلية الوجود ؛ فلا ريب في أنّ العالم الجسماني لا يقبلها ، لما يأتي من تناهي الامتدادات والزمان والحركة ؛ فكما أنّ عالم الأجسام يتناهى وينقطع الامتداد المكاني بالفلك الأقصى فلا يلزم منه قصور في غائية العلّة ، بل يعلّل ذلك إلى العناية الكلّية وأصلحية النظام الأعلى أو إلى عدم قبول العالم الجسماني امتدادا مكانيا أكثر من ذلك ؛ فكذلك الحكم في الامتداد الزماني بلا تفاوت.
والتوضيح : أنّ المكان والزمان يتساويان في الأحكام ومرتضعان من ثدي واحدة ؛ فالعلّة في انقطاع البعد الزماني وتخصّصه بما وجد إنّما هي العلّة في انقطاع البعد المكاني وتخصّصه بالبعد الموجود ـ أعني قدر قطر الفلك الأعظم ـ من دون زيادة ونقصان ؛ والعلّة في ذلك :
[١.] إمّا العناية الكلّية الراجعة إلى نظام الخير بمعنى أنّ الذات لكونها في غاية الكمال والتمامية افيضت أن يكون معلولها أيضا كذلك ؛ فعقل ذلك النظام على هذا النحو الذي هو غاية الكمال والخيرية وأوجده على ما عقل وحينئذ كما أنّ
__________________
(١). كذا في الأساس.
