حقيقته ما كان عرضا قائما بغيره ؛ فالإنسان العقلي وإن كان أقوى وأتمّ في الإنسانية إلّا أنّه ليس فردا حقيقيا لهذا الإنسان المتعارف.
ثمّ لا تظنّن أنّه لو فرض أو سلّم جواز كون الإنسانية حقيقية واحدة مختلفة بمجرّد أنحاء التشكيك ـ أي بالكمال والنقص والقوّة والضعف وغيرها ـ ولذلك جاز اختلاف أفرادها بالعلّية والمعلولية والغنى والفقر والجوهرية والعرضية وغير ذلك ، لرجوع هذا الاختلاف إلى الاختلاف بالكمال والنقص والقوّة والضعف ؛ ويكون لذلك أحد أفرادها الحقيقية الإنسان العقلي المخالف لسائر أفراده في الوجوه المذكورة يلزم جواز ذلك في الوجود أيضا بأن يكون حقيقة بسيطة أحد أفرادها الواجب بالذات وساير الأفراد معلولة له ؛ لأنّ ذلك يوجب تركّب الواجب ، وهو محال ؛ فالوجود المشترك بين الواجب وغيره لا يكون ذاتيا لهما ، بل يكون أمرا اعتباريا عارضا.
وأمّا كون الإنسان حقيقة مشتركة بين الإنسان العقلي وغيره وذاتيا لها لا يوجب محذورا عقليا ؛ إذ اللازم منه التركيب في الإنسان العقلي ولا ضير فيه ، لجواز ذلك بلا خلاف.
ثمّ هاهنا أقوال اخر في تأويل المثل النورية الأفلاطونية :
الأوّل : ما ذكره المعلّم الثاني في مقالته المسمّاة بالجمع بين الرأيين ؛ وهو أنّ مراد أفلاطون وسقراط وغيرهما من الأقدمين بها هي الصور العلمية القائمة بذاته تعالى المعلومة له بالعلم الحصولي الفعلي ؛ فإنّها باقية غير متغيّرة وإن تغيّرت وزالت الأشخاص الزمانية والمكانية. (١)
وفيه : أنّ هذا ينافي ما نقل عنهم من كلماتهم وينافي تشنيعات المتأخّرين وإيراداتهم عليهم ؛ فإنّه قد نقل عنهم أنّ لكلّ نوع جسماني فردا كاملا قائما بذاته ؛ و
__________________
(١). انظر : الجمع بين رأيى الحكيمين ، صص ١٠٧ ـ ١٠٥.
