اتّصالنا بالأنوار الفائضة منها وظهورها لنا مستهلكة في ارتباطنا به وظهوره لنا واتّصالنا بنوره إلّا أنّ درك ذلك يتوقّف على شدّة تجرّدنا. فالواجب سبحانه في العلوّ الأعلى بذاته المتعالية عن مراتب النقص والدنوّ الأدنى لشدّة نوره ؛ فسبحان من هو على البعد الأبعد من جهة علوّ رتبته وعلى القرب / A ١٧٧ / الأقرب من جهة نوره الغير المتناهي شدّة.
وبعد ما عرفت [من] أنّ المراد من الأنوار السانحة والأشعّة العقلية هي الإشراقات المعنوية والابتهاجات العقلية والأضواء الروحية ؛ فإن خلصت نفسك من عوائق الطبيعة وسلاسلها وحصل لها ضرب من التجرّد ومع ذلك عرفت حقيقة العلّية والمعلولية ومقهورية المعلول واستهلاكه في جنب العلّة ورجوع سلسلة المعلولات بأسرها إلى العلّة الأولى وكونها بذواتها وأوصافها وآثارها رشحة من رشحات جودها وفيضها وكونها ـ أي العلّة الأولى ـ صرف الوجود الحقّ الغير المتناهي وجودا ونورية وقدرة وعلوّا واضمحلال كلّ وجود ونور وقوّة وقدرة تحت وجوده ونوريته وعلوّ قدرته لا ينبغي أن يشكّ في ما فصّلناه من إشراق كلّ عال على سافل بالواسطة وبدونها ، واضمحلال جميع الإشراقات الراجعة إليه في الحقيقة تحت إشراقه بلا واسطة وكونه أقرب من الكلّ إلى الكلّ ، بل من الشيء إلى نفسه من حيث الظهور والإحاطة والاتّصال العقلاني والاتّحاد المعنوي والقرب الحقيقي.
وقس على إشراق كلّ عال على سافل في كونه بواسطة وبدونها واستهلاك ما بالواسطة تحت ما بدونها مشاهدة كلّ سافل للعالي ؛ فإنّه أيضا يكون بواسطة وبدونها ؛ فإنّ كلّ مجرّد له مشاهدة نور الأنوار وموجد الكلّ بلا واسطة ومشاهدته في الوسائط التي بينهما من الأنوار ، بل في كلّ نور مجرّد ، بل في كلّ شيء ؛ إذ المعلول بما هو معلول مرآة العلّة ؛ فالعارف يرى علّة الكلّ في الكلّ ؛ فمن عرف
