المشّاءون في بيان صدور الكثرة عن الواحد الأحد وترتيبها ليس بمستقيم ؛ لأنّ النور الأقرب ـ أي العقل الأوّل ـ إذا صدر من نور الأنوار ثمّ حصل من النور الأقرب نور مجرّد آخر هو العقل الثاني وبرزخ هو الفلك الأعلى ثمّ حصل من النور الثاني نور ثالث هو العقل الثالث وبرزخ هو فلك الثوابت وهكذا يحصل من عقل عقل وفلك إلى أن تحصل عشرة عقول وتسعة أفلاك وعالم العناصر ـ كما يقوله المشّاءون ـ لزم أن يوجد في النور الذي يصدر منه فلك الثوابت من جهات / B ١٧٠ / الكثرة ما يصحّ أن تصدر لأجلها تلك الكواكب المذكورة فيه بكثرتها ؛ وهذا غير ممكن ؛ إذ أعداد هذه الكواكب غير محصورة ؛ لأنّها أكثر من قطرات البحار وذرّات الرماد ؛ فلا يمكن أن تحصل هذه الكثرة من النور الأقرب وهو ظاهر ولا من أحد الأنوار العالية ـ أي الأقرب إلى المبدأ من الأنوار المفيضة للأفلاك التي تحته ـ إذ ليس فيه جهات كثرة يصحّ صدور تلك الكثرة سيّما على رأي من جعل في كلّ عقل جهة وجوب وإمكان لا غير ؛ ولا من أحد الأنوار السافلة ـ أي الأبعد من المبدأ بالقياس إلى بعض الأنوار المفيضة لبعض الأفلاك التي تحته ـ إذ لا يتصوّر أن يكون برزخ النور السافل كالثامن مثلا أكثر من برزخ النور العالي كالثالث مثلا وفوقه ولا أن يكون كواكبه أكثر من كواكبه ، لوجوب كون البرزخ الصادر من السافل أصغر من العالي وأسفل مكانا وأقلّ كوكبا منه.
فثبت أنّ ما أثبته المشّاءون من العقول وجهاتها لا يكفي لصدور الكثرة التي في الكواكب مع أنّ كلّ كوكب في كثرة الثوابت له وضع وموضع وقدر معيّنة مخصوصة ولا بدّ من اقتضاء مفيض يتخصّص به ؛ لأنّ هذا التخصّص ليس من ماهيّة الثامن ولوازمها لاستواء نسبتها إلى جميع المواضع منه ، لبساطة الأجرام الفلكية وكونها على طبيعة واحدة.
هذا إذا كانت الثوابت متّفقة بالنوع حتّى تحتاج إلى العلل الكثيرة في
