وإذ تقرّر ذلك نقول : لو لم تكن للوجود صورة عينية لم يكن عروضه للماهيّة على النحو المذكور ، بل كان كسائر الاعتباريات اللاحقة للماهيّة بعد ثبوتها وتقرّرها. فيجب أن يكون الوجود حقيقة عينية يتّحد مع الماهيّة وجودا في الخارج مغايرة لها معنى ومفهوما في ظرف التحليل ؛ وهذه الحقيقة الوجودية هي بعينها حقيقة المشخّص كما اختاره المعلّم الثاني والأقدمون من الحكماء. فالموجودية المصدرية نفس المشخّصية المصدرية ، والوجود بمعنى ما به الموجودية عين ما به التشخّص بالمعنى المصدري ؛ والفرق بينهما بالمفهوم ؛ وليس المراد أنّهما مترادفان لفظا متّفقان مفهوما ، بل المراد أنّهما من حيث الذات والهويّة متّحدان وبحسب المفهوم متغايران ؛ وهذا كما يقال : «الوجود خير محض». فإنّ المراد به أنّ حقيقة الخير بالذات هي بعينها حقيقة الوجود وإن تغايرا مفهوما ، لعدم ترادفهما.
فإن قيل : تسليم كون عروض الوجود للماهيّة كعروض عارضها من حيث هي تسليم لأصالتها في التحقّق واعتبارية الوجود وإن صارت موجودة بهذا الوجود ؛ إذ لو كان الوجود عارضا لها لم يكن من الأعراض القائمة بها ، كالسواد بالنسبة إلى الجسم ، بل كان من الاعتباريات الغير الموجودة ؛ فكيف حكمتم على هذا التقدير بكونه حقيقة عينية متحصّلة بنفسها مع أنّ عروض الحقائق القائمة بأنفسها لغيرها محال؟
قلنا : ما ذكرناه إلزام للقوم بما قرّروه من إثبات العوارض للماهيّة من حيث هي وجعل عروض الوجود لها من هذا القبيل وحكمهم بموجوديتها به مع تصريحهم بعدم مدخلية الاعتباريات في وجود معروضاتها. فإنّها يلزم عليهم حينئذ كون الوجود صورة عينية متحقّقة بنفسها معروضة للماهيّة لا أمرا عارضا لها كما ذكروه. إذ العارض الاعتباري ـ على ما قرّروه ـ لا يمكن أن يكون سببا لوجود معروضه.
وأمّا على التحقيق عندنا فلا عارض لها من حيث هي / B ١١ / لأنّها من هذه
