الذوق واللمس ويبقى على تلك الحالة حتّى يبلغ سنّ البلوغ ؛ فإنّه المعلوم لنفسه حينئذ من بدنها مجرّد وجود شيء جزئي متعلّق بها من دون علم لها بشيء آخر من عوارضه المذكورة والخصوصيات المعيّنة ؛ وأمّا لو كان لها حواسّ فيظهر لها بالإحساس مضافا إلى وجود البدن جميع المذكورات ؛ فبمجرّد الإبصار يعلم مثلا كونه جسما أبيض طويلا أو قصيرا حسنا أو قبيحا ذا نعومة (١) أو خشونة إلى غير ذلك من عوارضه ولواحقه ؛ فبالإحساس يعلم ما لا يعلم بالعلم الحضوري.
قلت : هذه مغالطة نشأت من عدم التدبّر في كيفية العلم الحضوري للنفس وللواجب.
وبيان ذلك بوجه يرتفع به المغالطة والاشتباه أنّ النفس لقصورها ونقصانها ومباينتها عن الأشياء وعدم وجود علاقة وربط مصحّح للحضور بينهما لا يمكن لها أن يدرك بذاتها شيئا من الأشياء لا على الوجه الكلّي الحصولي ولا على الوجه الجزئي الحضوري ؛ فأعطاها الله سبحانه بعلوّ قدرته ووفور رحمته قوّة نظرية تمكّنت بها من انتزاع الحقائق والصور الكلّية عن الأشياء وتجريدها منها على نحو ترتسم نفس تلك الحقائق والصور في لوح ذاتها وإن كانت تلك الأشياء مباينة عنها ولم يكن بينهما علاقة وارتباط أصلا وبعد الانتقاش تصير امورا جزئية حاضرة للنفس لحصول علاقة الحالّية والمحلّية وإن كانت بالنسبة إلى الأشياء الخارجية العينية كلّية وحينئذ تكون تلك الحقائق والصور منكشفة مشاهدة للنفس بالعلم الحضوري ؛ فبهذا الوجه حصل له العلم الكلّي الحصولي بالأشياء العينية من المادّيات والمجرّدات والجزئي الحضوري بصورها المرتسمة في ذاتها ولم يتمكّن بمجرّد هذه القوّة من / B ١٤٩ / إدراك المعاني الجزئية والعلم الحضوري بالأشياء المادّية والمجرّدة وعوارضها ولواحقها ؛ فأراد الله
__________________
(١). النعومة : اللّين.
