وإن كانت هو الشرطية إلّا أنّه لا ريب في لزوم تقدّم الشرط على المشروط.
فهذا الجواب لا يلائم كلامهم ؛ فالأظهر في الجواب أن يقال : إنّ حصول كلّ صورة معلول وإن كان من لوازم العلّية والمعلولية إلّا أنّ تقدّمه بالذات أو بالزمان على صدوره لازم ولا يلزم صدور الكثرة من الوحدة ؛ لأنّ صورة العقل الأوّل مثلا لها حيثيتان :
إحداهما : حيثية كونها صورة له من حيث إنّه يعقل الأوّل ؛ وبهذه (١) الحيثية واسطة صدوره.
والثانية : حيثية كونها صورة له من حيث إنّه علّة تعقّل الثاني والمتعقّل له ؛ وبهذه الحيثية واسطة حصول صورة العقل الثاني ؛ وقس على ذلك ما بعده.
[الحادي عشر :] قد ظهر ممّا ذكر أنّ محصّل ما اخترناه في كيفية علم الباري تعالى هو أنّ له علما حقيقيا كماليا هو تحيّث ذاته بذاته وعلما حصوليا صوريا وعلما حضوريا انكشافيا بجميع الأشياء قبل وجودها وبعده ؛ ومبدأهما ومنشأهما هو ذاته الذي هو العلم الحقيقي إلّا أنّ منشأ الحصولي مجرّد ذاته بذاته ومبدأ الحضوري قبل الإيجاد ؛ فهو ذاته مع المصحّحين المذكورين وبعده هما ووجوداتها العينية أيضا ؛ وقد يعبّر عن ذاته الذي هو العلم الحقيقي بالعلم الإجمالي الكمالي وبالمعقول البسيط ولا ضير فيه ؛ إذ ذاته لمّا كان مصدرا لمفصّلات من الوجودات والانكشافات والمنكشفات بأسرها ؛ فيصحّ أن يقال : إنّه تعالى مجمل الكلّ ؛ بمعنى أنّه لكونه مبدأ لجميع الموجودات فكأنّه يتضمّن كلّها وجميعها مندمجة فيه ؛ وأنّه العلم الإجمالي بجميع الأشياء ؛ بمعنى أنّه منشأ انكشاف جميعها ؛ وأنّه المعقول البسيط ؛ بمعنى أنّ العلم به بمنزلة العلم بالكلّ ؛ فكأنّه معقول واحد يشتمل على جميع المعقولات.
__________________
(١). س : بهذا.
