ثمّ ممّا يؤيّد ما اخترناه ويوضحه أنّ النفس الإنسانية اصطفاها الله من / A ١٣٢ / بين مخلوقاته للمرتبة الجامعية وخصّصها من بينها بالخلافة الإلهية وجعلها مظهرا جامعا وعالما صغيرا انموذجا من العالم الكبير ليكون عارفا بالله وبأسمائه وصفاته وواقفا على نعوت جلاله وجماله وشرائف أفعاله ويكون في العالم خليفته ومصدرا لأشباه ما يصدر عنه من الأفعال والآثار ؛ فلذلك أودع فيها ما له من الصفات والأفعال ناقصة مشوبة بشوائب القصور والفتور على ما يليق بها وتتحمّله ؛ إذ لو لم يتّصف بها ولم يكن انموذج منها فيها لم يقدر على تصوّرها ولم يتمكّن من معرفة جنسها وقبح نقائصها ؛ وإذا لم يعرفها كيف يمكنه إثباتها لربّها وباريها. فكلّ ما تثبته النفس لربّها يجب أن يكون انموذج منه فيها وإن كان ناقصا مشوبا بالأعدام وما يسريها في غاية الكمال والتمامية وفوق التمام ؛ وإلى ذلك يشير قوله تعالى : «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» (١).
وإذ علمت ذلك نقول (٢) : إنّ ما للنفس (٣) المجرّدة الإنسانية من العلم وأقسامه وكيفيته على وجه القصور والنقصان ينبغي أن يكون للواجب تعالى على نحو الكمال والتمامية وفوق الكمال ؛ إذ لا ريب في أنّ المبدئية والمنشئية لما يشاهد في النفس من العلوم كمال للموجود.
فنقول : لا شبهة في ثبوت الأقسام الثلاثة المذكورة من العلم ـ أعني العلم الحقيقي والحضوري والحصولي ـ للنفس ؛ فيجب أن يكون لباريها أيضا إلّا أنّ جميعها فيه على وجه التمامية والكمال وفيها على وجه القصور والنقصان.
بيان ذلك : أنّ النفس لإمكانها وضعف تجرّدها واختلاط وجودها بظلمة الماهيّة والعدم ليست بحيث يكون ذاتها بذاتها منشأ لانكشاف الوجودات و
__________________
(١). قد سبق مأخذ هذا الحديث النبويّ.
(٢). س : يقول.
(٣). س : انّ بالنفس.
