بسبق صورته وحصول صورة المعلول الثاني أيضا مشروط بسبق صورة ذلك المعلول الأوّل ؛ فيلزم صدور أمرين مختلفين من الواحد الحقّ باعتبار صورة واحدة من جهة واحدة ؛ فليس مرادهم إلّا أنّ هذا العلم من لوازم العلّية والمعلولية من دون اشتراط تقدّمه وتأخّره.
وعلى هذا كما يكون العلم بالمعلول الأوّل لازما مقارنا لصدوره وحصوله في الخارج يكون لازما سابقا للعلم بالمعلول الثاني ؛ ولا محذور في شيء منهما ؛ إذ هذا العلم في التحقّق ليس علّة ولا شرطا حقيقيا للصدور حتّى لا يجوز علّية أو شرطية لأمرين مختلفين ، بل هو لازم العلّية والمعلولية ؛ فيجتمع مع صدور جميع المعلولات وحصول صورها بذات الحقّ الأوّل من حيث وجوده وذاته علّة لوجود المعلول الاوّل ومن حيث تعقّله لذاته علّة لارتسام صورته في ذاته ؛ وهذان ـ أي وجود المعلول الأوّل وارتسام صورته ـ في درجة واحدة.
ثمّ من حيث إيجاده للمعلول الأوّل علّة لوجود المعلول الثاني ومن حيث تعقّله علّة لتعقّله وهكذا إلى آخر مراتب الوجود ؛ وكلّ معلول من تلك المعلولات من حيث وجوده واسطة إيجاد المعلول الذي بعده ومن حيث تعقّله لذاته تعقّل ذات ذلك المعلول الذي بعده ؛ وهذا التوسّط والتعقّل في مرتبة واحدة ؛ ولا يلزم سبق التعقّل على التوسّط ، بل هما متلازمان كما في الواجب ؛ والعقل الأوّل من حيث وجوده واسطة فيضان وجود العقل الثاني من الله سبحانه ومن حيث تعقّله لذاته يرتسم صورته في ذاته وهكذا / B ١٣١ / إلى آخر سلسلة الوجود.
وعلى هذا فما أثبته الحكماء من العناية حقّ إلّا أنّه لكونه من لوازم العلّية والمعلولية لا لأنّه علّة الإيجاد والصدور.
وأنت تعلم أنّ هذا الجواب لا يخلو عن مناقشات عمدتها أنّ صريح كلام الحكماء أنّ العناية ـ وهو علمه بالنظام الجملي ـ علّة لوجوده ؛ ومرادهم من العلّية
