لوازمها وآثارها والمعاني المنتزعة عنها إلّا من حيث ارتسامها في المدارك ؛ فإنّها من هذه الحيثية حاضرة عنده تعالى معلومة له بالعلم الحضوري. فربّما كان بهذا الاعتبار صورة شيء واحد وحقيقته حاضرا عنده سبحانه بحضورات غير متناهية.
ثمّ منشأ هذا العلم هو العلم الحقيقي الكمالي ؛ أي ذاته سبحانه وذوات الأشياء الموجودة ؛ ومصحّحه هو الربط الخاصّ بين العلّة ومعلولاتها. فمثل العلم الحقيقي وانكشاف الأشياء الموجودة لديه بمحض ذاته لذاته كمثل الشمس ووقوع ضوئه ونوره على الأجسام عند قوم أو كمثل نفس الضوء القائم بذاته وتنوّر الأجسام بشروق أشعّته عند آخرين ؛ فكما أنّ الاستضاءة والتنوّر بشعاع الشمس فرع تحقّق الجسم في الخارج فكذلك ظهور الأشياء وانكشافها عند الواجب سبحانه فرع وجودها في الخارج ؛ وكما أنّ الاستضاءة موقوف على ربط المقابلة فكذلك الانكشاف موقوف على ربط العلّية والمعلولية.
وبالجملة : جميع الأشياء المبدعة والكائنة المعقولة والمحسوسة منكشفة عنده تعالى بالانكشاف الشهودي سواء كانت ذوات العقلاء وعلومهم وسواء كانت القوى الخيالية والحسّية وإدراكاتها أو غير ذلك من الموجودات ؛ لأنّ جميعها يصدر عن الواجب منكشفة عنده ؛ فلا يعزب عن علمه شيء من الأشياء.
فإن قلت : أليس مدار المعقولية عندهم على التجرّد عن المادّة ، فكيف تصير الجسمانيات معقولة بأنفسها لا بصورها المنتزعة عن موادّها؟!
قلنا : إنّ ذلك إنّما يكون في الأشياء التي لم تتحقّق للعاقل بالقياس إليها علاقة وجودية وإحاطة قهرية ؛ فإذا تحقّق ذلك كفى للعاقلية مجرّد الإضافة / A ١٢٤ / الشهودية الإشراقية ؛ وإلى هذا يشير كلام بعضهم : «إنّ المادّيات والزمانيات بالنسبة إلى مباديها غير مادّية ولا زمانية» أي آثار المادّية والزمانية ـ أعني
