ذلك ممّا يتصوّر حتّى نفس الإيجاد والانكشاف من فعله تعالى ؛ وفعل الشيء لا يكون كمالا له ؛ فذاته بذاته منشأ لانكشافها ولا مدخل (١) لغير ذاته في ذلك شرطا كان الغير أو فاعلا أو غاية أو معدّا أو غير ذلك ؛ إذ مجرّد ذاته المقدّسة هو الموجد للأشياء والمنشأ لانكشافها بمجرّد إيجادها ؛ ومنشئية غيره في ذلك يفضي إلى افتقاره وإمكانه ، تعالى عن ذلك. فذاته بذاته نفس العلم الحقيقي الكمالي بالأشياء الثابتة الدائمة والمتغيّرة الكائنة والفاسدة التي (٢) في الوجود كلّياتها وجزئياتها من حيث إنّها جزئية ومتغيّرة وكائنة وفاسدة بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء. (٣)
وبالجملة : ذاته بذاته لذاته منشأ لحضور جميع الأشياء الكلّية والجزئية والثابتة والمتغيّرة ، وظهورها وانكشافها على ما هي عليه من الكلّية والجزئية والثبوت والتغيّر على وجه لا يلزم تغيّر في ذاته المتقدّسة وإن لزم من وجود الأشياء وعدمها وكونها وفسادها حدوث إضافة وانعدام اخرى ؛ فهي راجعة بنحو ما إلى الجزئيات المتغيّرة لا إلى ذاته ؛ إذ كونه عالما هو عين كونه مبدأ وخالقا ؛ وكما لا يوجب حدوث الخلق ولا عدمه تغيّرا في ذات الخالق كذلك لا يقتضي تغيّر المعلومات تغيّرا في ذات العالم.
[الخامس :] لا ريب في ثبوت العلم بالمعني الثاني ـ أي الانكشافي الإشراقي ـ للواجب بالنسبة إلى الأشياء الموجودة بأسرها ـ أي المجرّدة والمادّية والعينية والظلّية ـ فإنّ جميعها / B ١٢٣ / بعد وجودها منكشفة على الوجه الجزئى لا يشذّ عن علمه مثقال ذرّة من عوارضها وتشخّصاتها ؛ وهذا (٤) العلم ـ كما علمت ـ إنّما يتعلّق بوجوداتها الخارجية من حيث مشاهدته لها بالحضور الإشراقي دون حقائقها و
__________________
(١). س : يدخل.
(٢). س : هي.
(٣). اقتباس من : سبأ / ٣ ويونس / ٦١.
(٤). س : هذ.
