قلبه وورد وارد (١) عليه من عالم القدس إن لم يصر ملكة له ، بل زال بظهور صفات نفسه سمّي ذلك في عرف الصوفية حالا وإن صار ملكة ورسخت فيه سمّيت مقاما ؛ والمقامات كلّها حجب نورانية إلّا مقام الجمع وجمع الجمع.
والجمع مقابل الفرق والفرق هو الاحتجاب عن الحقّ بالحقّ بأن يرى في كلّ الأشياء الخلق ويرى الحقّ مغايرا لها من كلّ الوجوه ويرى بقاء الرسوم الخلقية بحالها ؛ وفي هذا المقام أخطار كالخوف من الوقوع في مفسدة تعطيل الفاعل المطلق وأمثاله ؛ والجمع في عرفهم مشاهدة الحقّ في كلّ الأشياء مع الغفلة عن الأشياء / B ١١١ / أنفسها بأن تفني في نظره الرسوم الخلقية ولا يرى إلّا الحقّ ويسمّى هذا المقام مقام المحو والفناء ؛ إذ لو كان أيّية السالك وتعيّنه باقيا ـ أي مشاهدا ملحوظا له ـ لما حصل له هذا المقام ـ أي شهود الحقّ بدون الخلق ـ وفي هذا المقام أيضا أخطار كالوقوع في مهلكة الكفر والزندقة (٢) والإلحاد والحلول والاتّحاد.
وأمّا جمع الجمع فهو مشاهدة الخلق قائما بالحقّ بأن يشاهد في جميع الموجودات الحقّ ويلاحظ الاثنينية والغيرية ولا يحتجب برؤية الوحدة عن الكثرة ولا برؤية الكثرة عن الوحدة ويرى الأشياء كما هي وكما ينبغي. فعند صاحب هذا المقام تكون الكثرة مرآة للوحدة [والوحدة] مجلاة للكثرة ؛ وهو أعلى مقامات العارفين وأرفع درجات السالكين وليس فيه خوف الوقوع في مفسدة ؛ ولذا ورد في كلام هذه الطائفة : «عليكم بهذا (٣) المقام ؛ فإنّ جامعه الموجد الحقيقي وإيّاكم والجمع والتفرقة ؛ فإنّ الأوّل يورث الزندقة والإلحاد والثاني تعطيل الفاعل المطلق.»
ثمّ هذا المقام ـ أي مقام جمع الجمع ـ يسمّى بجامع الجمع أيضا وبمقام البقاء بالله ويسمّى أيضا الصحو والفرق الثاني والفرق بعد الجمع ؛ لأنّ السالك يتنزّل
__________________
(١). س : قلبه وارد ورد.
(٢). س : الزنديق.
(٣). س : هذه.
