فالعارف الواقف بأنّ الواجب تعالى بحت الوجود وصرف الموجود وبأنّ ذوات الممكنات وحقائقها ـ أي وجوداتهم الفاقدة بذواتهما ـ وكذا / A ١١٠ / صفاتهم وأفعالهم الناقصة في كمالاتها من أنحاء تجلّيات ذاته وشئون صفاته وأفعاله يرى ويشاهد بعين العيان أنّ كلّ وجود وموجود وكلّ صفة وموصوف وكلّ فعل وفاعل ومفعول من الممكنات باطلة دون وجهه الكريم وهالكة مع قطع النظر عن الارتباط به تعالى ومستهلكة في حبّ ذاته ومستغرقة في علوّ أسمائه وصفاته وفانية في سموّ أفعاله وآثاره.
فهو يشاهد في الكلّ ذاتا ؛ أي وجودا صرفا مطلقا كاملا متقدّسا عن العدم والنقص متجلّيا على الكلّ ؛ وكذا يشاهد صفات مطلقة واجبة منبسطة في صفات الممكنات وفعلا مطلقا لا مدخل لتأثير الغير فيه ولا تقارنه شائبة من القوّة والنقص كما في أفعال الممكنات ؛ فإنّها ناقصة مقارنة للقوّة ومرتبطة بفعل الواجب على وجه التقويم بحيث لو لا ارتباطها به وانبساطه عليها وتأثيره فيها لم يكن لها اسم ولا أثر ؛ فكلّ فعل وأثر في سلسلة العرض الإمكانية فانية ومستهلكة في فعله تعالى وكذا في السلسلة الطولية وإن توقّف تأثيره فيها في بعض وتجلّيه عليه على بعض آخر كتوقّف الأفعال الطبيعية مثل الحرارة والبرودة على النار والماء والأفعال الاختيارية كأفعال العباد وآثارهم على ذواتهم وساير الأسباب المنتهية إلى مسبّب الأسباب الذي هو ناظم سلك الوجود ومبدأ كلّ فيض وجود.
وكان هذا العارف السالك جعل في قوله واعتقاده ومشاهدته العيانية الحقائق المتكثّرة (١) ـ أعني الوجودات المتكثّرة الإمكانية ـ حقيقة واحدة ـ أي وجودا واحدا ـ والصفات المتكثّرة الإمكانية صفة واحدة مطلقة والأفعال المتكثّرة فعلا واحدا. فهو :
__________________
(١). س : حقائق متكثرة.
