المعدوم الممتنع منفيّ وليس بثابت. فالمنفيّ عندهم أخصّ من العدم ومقابل للثبوت. فالكلّ متّفقون على أنّ الممتنع المسمّى بالمنفيّ عند المعتزلة ليس بشيء ؛ وعند الحكماء وأكثر المتكلّمين الممكن المعدوم أيضا ليس بشيء لعدم (١) ثبوته ؛ والمعتزلة جعلوا الثبوت مقابلا للنفي وأعمّ من الوجود والعدم أعمّ من النفي ؛ وذلك لأنّهم جعلوا الممكن المعدوم ثابتا وقالوا بأنّه شيء ؛ إذ الثبوت والشيئية عندهم بمعنى واحد ومتلازمان.
وهذا القول منهم بإزاء القول بالوجود الذهني للحكماء ؛ فإنّ الكلّ متّفقون على أنّ ثبوت الماهيّات وتحقّقها إمّا في حدّ ذاتها بحيث لا تترتّب عليها الآثار أو بحيث تترتّب عليها الآثار لكنّ المعتزلة ينسبون الوجهين إلى الخارج ويخصّون الأخير باسم الوجود ؛ والحكماء يسمّون كليهما وجودا ويقولون : الوجه الأوّل من الثبوت لا يتصوّر إلّا في المدارك وهو الوجود (٢) الذهني ؛ ويفسّرون العلم بحصول صورة المعلوم في الذهن ؛ والمعتزلة جعلوا العلم نسبة متحقّقة بين العالم والمعلوم أو صفة حقيقية قائمة بذات العالم موجبة للعالمية الموجبة لهذه النسبة ؛ ولهذا أمكنهم إنكار الوجود الذهني.
ولا يخفى أنّ حكم العقل ضرورة بعدم الفرق بين الثبوت والحصول والوجود يبطل قولهم بتوسّط الثبوت بين الوجود والعدم. فيبطل ما فرّعوا عليه من ثبوت الشيئية بدون الوجود ويثبت عدم انفكاك ثبوت الشيئية لأمر عن ثبوت الوجود له وإن تغايرا مفهوما / B ٩٠ / ومعنى ؛ إذ المعدوم الصّرف الذي لا ثبوت له في الخارج وفي شيء من المدارك لا معني لثبوت الشيئية له. نعم كلّ ماهيّة يثبت له أحد الوجودين يمكن أن يلاحظه العقل معنى مغايرا للوجود.
وبالجملة : الحقّ ـ كما صرّح به المحقّقون ـ أنّ امتناع كون الماهيّة متقرّرة في
__________________
(١). س : بعدم.
(٢). س : وجود.
