وأمّا عالم الإنسان الصغير الجامع لجميع العوالم فهو وإن كان مظهرا أعظم ونظيرا للاسم الجامع الأقدم وزبدة الكلّ ومنتخب الجلّ إلّا أنّه ليس عالما برأسه ، بل هو عبارة عن مجموع العوالم وداخل فيها.
ولنا أن نقول بعبارة اخرى : كما أنّ اصول الحضرات الأسمائية والصفاتية أربعة أو ثلاثة كذلك اصول المظاهر وأمّهات النشئات الكونية أربعة أو ثلاثة : النشأة الدنيوية والبرزخية والاخروية المنقسمة إلى النشأة الجنّتية والنشأة النارية (١) ؛ فإن جعلت الاخروية نشأتين فالنشئات أربعة وإن جعلت واحدا فثلاثة.
وجميع تلك العوالم والنشئات مظاهر الأسماء وواقعة تحتها ومناسبة لها ؛ وأعداد اصولها مطابقة لأعداد اصولها وكلّ منها مظهر لما يناسبه وكلّها مرتّبة وفي كلّ مرتبة مراتب لا تحصى كثرة ولكنّها ليست على السواء ؛ لأنّ بعضها مظهر اسم واحد وبعضها مظهر الأكثر من واحد وبعضها مظهر الجميع تفصيلا وإجمالا ؛ فلكلّ موجود حظّ من بعض أسمائه دون كلّها سوى الإنسان ؛ فإنّ له رتبة المظهرية للكلّ ولذا صار قابلا للخلافة الإلهية ؛ فحظّ الملائكة إنّما هو من اسم السبّوح والقدّوس ؛ فإنّه بعض أسمائه ؛ قالوا : (نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (٢) وهذا القول من اقتضاء التعظيم والتبجيل ولذلك ما عصوا ربّهم قطّ ؛ وحظّ الشياطين من اسم الجبّار والمتكبّر ؛ فإنّه أيضا بعض أسمائه ، كما قال رئيسهم : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (٣) وهذا القول من اقتضاء التكثّر ؛ ولذلك عصى وغوى ؛ وكذلك لكلّ موجود حظّ لا يشاركه فيه غيرها ؛ وليس هذه الخصوصية إلّا لاقتضاء الاسم الذي هو داخل تحته ؛ والإنسان مظهر جميع الأسماء الجلالية والجمالية : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) (٤) ولذلك عصى تارة وأطاع اخرى ؛ وليس
__________________
(١). س : النار.
(٢). البقرة / ٣٠.
(٣). الأعراف / ١٢.
(٤). البقرة / ٣١.
