هذا وقد أجاب بعضهم عن الإشكال الأوّل بأنّ للوجودات وجودين أحدهما في الشهود العلمي قبل الوجود العيني وسمّوها باعتبار هذا الوجود مخاطبة بخطاب (كُنْ) (١) ومنتسبة إلى الوجود الحقّ ومستضيئة منه الوجود الآخر الذي هو في الشهود العيني كما يشهد به قول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «خلق الله الخلق في ظلمته ثمّ رشّ عليه من نوره» (٢) إذ الظاهر أنّ المراد بالخلق في الظلمة هو الإيجاد في الشهود العلمي وبالرشّ من نوره هو الإيجاد في الأعيان ؛ ويشير إليه قوله تعالى : (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) (٣) وعلى هذا يكون للموجودات / B ٥٦ / الإمكانية ثبوت في العلم قبل وجودها في الخارج ؛ فيحصل الارتباط بينها وبين الواجب نظرا (٤) إلى هذا الثبوت وإن لم يوجد في الخارج.
والقول بهذا الثبوت العلمي نظير قول المعتزلة بثبوت المعدومات الممكنة إلّا أنّ المعتزلة لعدم قولهم بالوجود الذهني نسبوا هذا الثبوت إلى الخارج وسمّوه ثبوتا خارجيا واسطة بين الوجود والعدم ؛ والصوفية نسبوه إلى حضرة العلم وسمّوه بالوجود العلمي ؛ وفيه أنّ تلك الأعيان الثابتة في الشهود العلمي إمّا تكون مجعولة بجعل الجاعل كما يشير إليه لفظ «خلق» في الحديث و «جعل» في الآية ، لإشعارهما بأنّ الأشياء في تلك الظلمة وذلك الثبوت مجعولة مخلوقة أوّلا.
فعلى الأوّل إن كان ذلك الثبوت بانتساب آخر للماهيّات إلى الجاعل وهكذا فيلزم التسلسل في تلك الثبوتات بحسب الواقع ونفس الأمر ، وهذا باطل ؛ وإلّا لم يكن كلّ ثبوت ووجود بالانتساب ؛ هذا خلف.
وعلى الثاني تكون تلك الماهيّات في ثبوتها العلمي واجبة لا ممكنة ؛ والمقرّر
__________________
(١). الأنعام / ٧٣.
(٢). لم أعثر على مصدر هذه الرواية ولكن توجد في بحار الأنوار ، ج ٦٥ ، ص ٤٤ : «قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله تبارك وتعالى خلقنى وإيّاك من نوره الأعظم ثمّ رشّ من نورنا على جميع الأنوار من بعد خلقه لها.»
(٣). الأنعام / ١.
(٤). س : نظر.
