الارتباط تحقّقا (١) تبعيا ظلّيا. فقول الحكيم بكونها متحقّقة ناظر إلى هذا الاعتبار ، بل تحقّق الوجودات الإمكانية بملاحظة ارتباطها بعلّتها أقوى من تحقّق الظلّ مع ارتباطه بذي الظلّ ؛ إذ فرق بين ظلّ الأجسام وظلّ من الأجسام هو ظلّ بعض أظلاله المنزّلة منه بمراتب كثيرة ، بل التفسير بالظلّ إنّما هو للتنوير والتوضيح وإلّا فالفرق من الثرى (٢) إلى الثرياء.
وكذا ينطبق عليه قول الصوفية [من] أنّ الوجودات والماهيّات الإمكانية امور اعتبارية تنتزع عنه وأنّها أضوائه وأظلاله وشئونه واعتباراته وليست امورا متحقّقة مباينة ؛ فإنّه ناظر إلى الاعتبار الآخر ـ أعني ملاحظة ذات المعلول من حيث هو مع قطع النظر عن العلّة ـ فإنّه بهذه الملاحظة أمر اعتباري غير متحقّق / B ٥٠ / وإن كان بالنظر إلى الظاهر ومشاهدتنا أمرا متحصّلا ، كما أنّ الوجود التعلّقي الارتباطي الظلّي متحقّق بحسب الظاهر واعتبار الارتباط إلّا أنّه بالنظر إلى حقيقته وذاته مجرّد اعتبار.
والحاصل : أنّه عند الحكيم والصوفي يلزم ذاته الكاملة لبساطتها الصّرفة ووحدتها المحضة معلول عقلي بمنزلة ظلّه لا يتصوّر في الممكنات مثله في البساطة والبهاء والكمال وهو عند أكثر الصوفية الوجود المنبسط ؛ فيصدر عنه بالتبعية والترتّب أوّلا هذا الوجود ثمّ تتبعه الماهيّات الإمكانية وتلزمه بانتزاعها من درجاته ومراتبه ؛ وعند الحكيم العقل الأوّل وهو بمنزلة ظلّه تعالى ويلزمه أيضا ظلّ أو أظلال وهكذا يستتبع كلّ ظلّ أظلالا إلى أن ينتهي إلى الأجسام الكثيفة التي لا ظلّ لها ؛ وكما أنّ الأجسام الكثيفة لا ظلّ لها بنفسها ولو وقع عليها ضوء من مضيء تحصل لها أظلال فكذلك الماهيّات بأسرها من المجرّدات والمادّيات لكثافتها وخلوّها في أنفسها عن ضوء الوجود لا أظلال لها ؛ إذ ما لا تحقّق له كيف يحصل منه
__________________
(١). س : محققا.
(٢). س : + الى.
