الملجئ لهم للكلام ، وفهموا عنه ذلك ، فاحتالوا في إظهار جميع أنواع الطعام بالأسواق ، وأبدوا للعدوّ القوّة مع كونهم في غاية الضعف ، والحرب خدعة (١) ، فدخل بعض كبار النصارى للتكلم معهم وهو عين ليرى ما عليه البلد وما صفة الناس ، وعند تحققهم بقاء الطعام والقوّة أعطوهم الأمان على أنفسهم دون من أعانهم من أهل وادي آش والمنكب والمرية والبشرات ، فإن دفعوا هؤلاء عنهم صح لهم الأمان ، وإلا فلا ، فلم يوافق أهل البلد على هذا ، وطال الكلام ، وخاف أهل البلد من كشف الستر ، فاتفقوا على أن تكون العقدة على بسطة ووادي آش والمرية والمنكب والبشرات ، ففعلوا ذلك ، ودخل جميع هؤلاء في طاعة العدوّ على شروط شرطوها وأمور أظهروا بعضها للناس وبعضها مكتوم ، وقبض الخواص مالا ، وحصلت لهم فوائد.
وفي يوم الجمعة عاشر محرم سنة خمس وتسعين وثمانمائة دخل النصارى قلعة بسطة ، وملكوها ، ولم يعلم العوام كيفية ما وقع عليه الشرط والالتزام ، وقالوا لهم : من بقي بموضعه فهو آمن ، ومن انصرف خرج بماله وسلاحه سالما ، ثم أخرج العدوّ الملسمين؟؟؟؟؟ من البلد ، وأسكنهم بالرّبض خوف الثورة ، ثم ارتحل العدوّ للمرية ، وأطاعته جميع تلك البلاد ، ونزل صاحب وادي آش للمرية ليلقاه بها فلقيه وأخذ الحصون والقلاع والبروج ، وبايع له السلطان أبو عبد الله على أن يبقى تحت طاعته في البلاد التي تحت حكمه كما أحب ، فوعده بذلك ، وانصرف معه إلى وادي آش ، ومكنه من قلعتها أوائل صفر من العام المذكور ، وأطاعته جميع البلاد ، ولم يبق غير غرناطة وقراها ، وجميع ما كان في حكم صاحب وادي آش صار للنصارى في طرفة عين ، وجعل في كل قلعة قائدا نصرانيا ، وكان قائد من المسلمين أصحاب هذه البلاد دفع لهم الكفار مالا من عند صاحب قشتالة إكراما منه لهم بزعمهم ، فتبّا لعقولهم (٢) ، وما ذلك منه إلا توفير لرجاله وعدّته ودفع بالتي هي أحسن ، ثم أخذ برج الملاحة وغيره ، وبناه وحصنه ، وشحن الجميع بالرجال والذخيرة ، وأظهر الصحبة والصلح مع صاحب وادي آش ، وأباح الكلام بالسوء في حق صاحب غرناطة مكرا منه وخداعا ودهاء ، ثم بعث في السنة نفسها رسلا لصاحب غرناطة أن يمكنه من الحمراء كما مكنه عمه من القلاع والحصون ، ويكون تحت
__________________
(١) تروى هذه الكلمة بفتح الخاء وسكون الدال ، وهي المرة الواحدة من الخداع. وتروى بضم الخاء وسكون الدال ، وهو اسم مصدر بمعنى الخداع. وتروى بضم الخاء وفتح الدال ، وهو يدل بهذه الصيغة على ما يدل عليه اسم الفاعل ؛ يقال : فلان ضحكة وسخرة وهزأة ، أي أنه يضحك من الناس ، ويسخر منهم ويهزأ بهم ـ كثيرا.
(٢) تبا لعقولهم : هلاكا لعقولهم. وقد جاء في القرآن الكريم (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ).
![نفح الطّيب [ ج ٥ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2801_nafh-altayeb-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
