ـ رغبوا منه أن يكون هذا القادم أول متكلم في ذلك اليوم ، فأمر بذلك ، فصعد الكرسي ، وانتظروا أن ينشد مثل الشعر المضحك المتقدم ، فقال : [الكامل]
|
قطّعت يا يوم النّوى أكبادي |
|
وحرمت عن عيني لذيذ رقادي |
|
وتركتني أرعى النّجوم مسهّدا |
|
والنّار تضرم في صميم فؤادي |
|
فكأنّما آلى الظّلام أليّة |
|
لا ينجلي إلّا إلى ميعاد (١) |
|
لي بين بين أين تقتاد النّوى |
|
إبل الّذين تحمّلوا بسعاد (٢) |
|
ولربّ خرق قد قطعت نياطه |
|
واللّيل يرفل في ثياب حداد (٣) |
|
بشملّة حرف كأنّ ذميلها |
|
سرح الرّياح وكلّ برق غادي (٤) |
|
والنجم يحدوها وقد ناديتها |
|
يا ناقتي عوجي على عبّاد |
|
ملك إذا ما أضرمت نار الوغى |
|
وتلاقت الأجناد بالأجناد |
|
فترى الجسوم بلا رؤوس تنثني |
|
وترى الرّءوس لقى بلا أجساد |
|
يا أيّها الملك المؤمّل والّذي |
|
قدما سما شرفا على الأنداد |
|
إنّ القريض لكاسد في أرضنا |
|
وله هنا سوق بغير كساد |
|
فجلبت من شعري إليك قوافيا |
|
يفنى الزّمان وذكرها متمادي (٥) |
|
من شاعر لم يضطلع أدبا ولا |
|
خطّت يداه صحيفة بمداد |
فقال له الملك : أنت ابن جاخ؟ فقال : نعم ، فقال : اجلس فقد وليتك رياسة (٦) الشعراء ، وأحسن إليه ، ولم يأذن في الكلام في ذلك اليوم لأحد بعده. انتهى.
رجع إلى أخبار بقية بني عباد :
المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد أبي عمرو عباد ابن القاضي أبي القاسم ابن عباد رحمه الله تعالى : ملك مجيد ، وأديب على الحقيقة مجيد ، وهمام تحلّى به للملك لبّة
__________________
(١) آلى : أقسم. والآلية ـ بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء مفتوحة : الحلف والقسم.
(٢) في ب «ما يا بين بين».
(٣) النياط : «عرق غليظ متصل بالقلب ، فإذا قطع مات صاحبه.
(٤) الشملة : من النوق : السريعة الخفيفة. والذميل : السير السريع اللين.
(٥) في نسخة عند ه : «فجليت من شعري إليك قوافيا».
(٦) في ب «رئاسة الشعراء».
![نفح الطّيب [ ج ٥ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2801_nafh-altayeb-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
