وحكي أن موضع المعترك كان على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على ميت أو دم ، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام ، حتى جمعت الغنائم ، واستؤذن في ذلك السلطان يوسف ، فعفّ عنها ، وآثر بها ملوك الأندلس ، وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم ، وما عند الله في ذلك من الثواب المقيم ، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه ، وأحبوه وشكروا له ذلك.
ولما بلغ الأذفونش إلى بلاده وسأل عن أبطاله وشجعانه وأصحابه ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثّكلى عليهم ، اهتم ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك غما وهما ، وراح إلى أمه الهاوية (١) ، ولم يخلف إلا بنتا واحدة جعل الأمر إليها ، فتحصنت بطليطلة.
ورحل المعتمد إلى إشبيلية ومعه السلطان يوسف بن تاشفين ، فأقام السلطان يوسف بن تاشفين بظاهر إشبيلية ثلاثة أيام ، ووردت عليه من المغرب أخبار تقتضي العزم ، فسافر ، وذهب معه ابن عباد يوما وليلة ، فحلف ابن تاشفين وعزم عليه في الرجوع ، وكانت جراحاته تورّمت عليه ، فسير معه ولده عبد الله إلى أن وصل البحر ، وعبر إلى المغرب.
ولما رجع ابن عباد إلى إشبيلية جلس للناس ، وهنّئ بالفتح ، وقرأت القراء ، وقامت (٢) على رأسه الشعراء ، فأنشدوه ، قال عبد الجليل بن وهبون : حضرت ذلك اليوم ، وأعددت قصيدة أنشدها بين يديه ، فقرأ القارئ (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) [التوبة : ٤٠] فقلت : بعدا لي ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به.
ولما عزم السلطان يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير (٣) بن أبي بكر أحد قوّاده المشاهير ، وترك معه جيشا برسم غزو الفرنج ، فاستراح الأمير المذكور أياما قلائل ، ودخل بلاد الأذفونش ، وأطلق الغارة ، ونهب وسبى ، وفتح الحصون المنيعة ، والمعاقل الصعبة العويصة ، وتوغل في البلاد ، وحصل أموالا وذخائر عظيمة ، ورتب رجالا وفرسانا في جميع ما أخذه ، وأرسل للسلطان يوسف جميع ما حصله ، وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكابدة العدوّ وملازمة الحرب والقتال في أضيق العيش وأنكده ، وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد عيش وأطيبه (٤) ، وسأله مرسومه ، فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى
__________________
(١) راح إلى أمه الهاويه : أي هلك وراح إلى جهنم.
(٢) في ب ، ه «وقام على رأسه الشعراء».
(٣) في ج «سيري بن أبي بكر».
(٤) في ب ، ه «في أرغد العيش وأطيبه».
![نفح الطّيب [ ج ٥ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2801_nafh-altayeb-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
