لم يستقلّ كلّ منهما بانفراده بالتحقّق ؛ ولو ينزل عن ذلك وصار جسما مركّبا ـ كالإنسان ـ ازدادت القيودات وصارت ماهيّة مركّبة من جنس وفصل مأخوذين من مادّة وصورة خارجيّتين يختصّ كلّ منهما بوجود أقوى من الوجود السابق. فإنّ مادّة الإنسان هو البدن ، وصورته النفس ، ولكلّ منهما وجود خاصّ متميّز عن وجود الآخر وإن حصل من اجتماعهما وجود أكمل هو وجود الإنسان.
ثمّ الدليل على أنّ وجود كلّ ممكن عين ماهيّته (١) خارجا ومتّحد بها نحوا من الاتّحاد أنّه لمّا ثبت أنّ الوجود الحقيقي الذي هو مبدأ الآثار ومنشأ الأحكام وبه توجد الماهيّة ويطرد عنها العدم أمر عيني لزم أن يكون وجود كلّ ماهيّة عينها ومتّحدا بها وإلّا إمّا أن يكون الوجود جزءا منها أو بالعكس أو زائدا عليها عارضا لها أو بالعكس.
والأوّل : يوجب كون الماهيّة حاصلة الوجود قبل نفسها ؛ لأنّ وجود الجزء قبل وجود الكلّ ، والفرض أنّ وجودها جزء لها ، فيتقدّم وجودها على نفسها ، ووجود الشيء لا ينفكّ عن حصوله ، فيتقدّم حصولها على حصولها.
والثاني : يوجب تقدّمها عليه لتقدّم الجزء على الكلّ مع أنّ الفرض كون تحقّقها به وتقدّمه عليها ، لما تقرّر من أصالته وموجوديتها به.
والثالث : يوجب تقدّم الوجود على نفسه ؛ لأنّ وجود الصفة والعارض بعد وجود الموصوف والمعروض ؛ فعروض الوجود لها يوجب تأخّره عنها مع أنّ المفروض كونه أمرا عينيا محصّلا للماهيّة ومتقدّما عليها ؛ فيلزم تقدّمه على نفسه ، بل تقدّمها أيضا على نفسها ؛ وأيضا / B ١٩ / لتوقّف اتّصاف الماهيّة بالوجود العارض على وجودها قبله يلزم تكرير نحو وجود شيء واحد من جهة واحدة أو التسلسل في المترتّبات المجتمعة من أفراد الوجود ، وهو باطل بالبراهين واستلزامه
__________________
(١). س : ماهية.
