ولا ريب في أنّه / B ١٧٩ / يوجد في عالم المثال كلّ ما يوجد في عالم الحسّ من الأفلاك والكواكب والعناصر ومركّباتها والنفوس والقوى المتعلّقة بها ؛ فلا يكون عدد العقول التي هي علل الأنواع المثالية ـ أعني الأنوار المشاهدية ـ أقلّ التي هي علل أنواع العالمين الآخرين ـ أعني الأنوار الإشراقية ـ فكما أنّه لا بدّ في الأنوار الإشراقية من نور هو أعظمها نورية وعشقا وهو علّة الفلك الأعلى الحسّي كذلك لا بدّ وأن يكون في الأنوار المشاهدية نورا هو أعظمها وهو علّة الفلك الأعلى المثالي ؛ وكما أنّ الفلك الأعلى المحيط بكلّ من العالمين أكمل الأجسام وقاهرها فكذا تكون علّيته في الأنوار المشاهدية والإشراقية أشرفها وأكملها.
وعلى هذا يبلغ أعداد العقول إلى ما لا يحصى كثرة ؛ وإذا كانت الكواكب في كلّ من العالمين مختلفة بالنوع ولو قيل بوجود عقول عرضية لا تصير علّة لشيء من الأنواع المثالية والحسّية كما يأتي ؛ فيكون أعدادها غير متناهية.
ثمّ إنّهم أسندوا كلّ ما في العوالم الثلاثة من التخصّصات والسعدية والنحسية والاختلاف في الألوان والطعوم والروائح وما بينها من التوافق والمؤالفة والتباغض وغير ذلك إلى الهيئات والنسب والنظم والترتيب الواقعة في العقول لأجل ما تقتضيه المناسبات والمشاركات الواقعة في الجهات المقتضية لها ؛ فبحسب ما تقع أرباب الأصنام والطلسمات تحت أقسام المحبّة والقهر والاعتدال تختلف تلك الأصنام المعلولة لها من الكواكب وغيرها من الأجسام في ذلك كسعدية المشتري والزهرة ونحسية زحل والمرّيخ واعتدال عطارد وغير ذلك من أحوال الكواكب وساير الأجسام.
وبالجملة : جميع ما في العوالم الثلاثة من الذوات وأوصافها ولوازمها وعوارضها وهيئاتها وتخصيصاتها أظلال لتلك العقول النورية ونسبها وهيئاتها النورية العقلية.
