الحسّيات ؛ إذ القوّة العقلية أشرف من الوهمية والوهمية من الحسّية ؛ وكذا لذّة درك الحقائق الكلّية والذوات النورية والتفرّد بمناجات الله والتجرّد (١) إلى جناب قدسه والوصول إلى لقائه والاستغراق في لجّة انسه أحبّ عند كلّ كامل بهيّ النفس رزين العقل (٢) من لذّة الرئاسة والجاه والغلبة على الأعداء وهو من لذّة الهريسة (٣) والحلواء والجماع بالمليحة الحسناء والجميلة العذراء.
وبالجملة : كلّ من أدرك حقائق اللذّات الثلاث يستحقر لديه الحسّية عند الوهمية والوهمية عند العقلية ؛ ولذا يرى أنّ لذّة الغلبة المتوهّمة ولو في أمر خسيس كالنرد والشطرنج ربّما يؤثر على لذّة مطعوم أو منكوح يظنّ أنّها أقوى اللذّات الحسّية ولذّة نيل الحشمة والجاه يؤثر عليها أيضا والكريم يؤثر لذّة إيثار الغير على نفسه في ما يحتاج إليه ضرورة على لذّة التمتّع به وكبير النفس يؤثر لذّة الكرامة المتوقّعة من محافظة ماء الوجه أو من الإقدام على الأهوال مع عدم العلم بنيلها على اللذّات الحسّية إلى حدّ يتحمّل آلام الجوع والعطش ويقاسي أهوال الموت والهلاك معها ؛ ولا يختصّ ذلك بالإنسان ، بل في الحيوانات ما يشاركه في ذلك ؛ فإنّ كلب الصيد يؤثر اللذّة الوهمية التي ينالها من توقّع إكرام صاحبه إيّاه على لذّة أكل الصيد والراضعة من الحيوانات يؤثر اللذّة الوهمية التي تجدها من توهّم سلامة ولدها على لذّة سلامة نفسها ؛ (٤) وربّما كان وقوعها في المخاطرات والأهوال لحماية ولدها أعظم كثيرا من وقوعها فيها / B ١٥٤ / لحماية نفسها.
فظهر أنّ اللذّات الحسّية الباطنة أعظم وأقوى من الحسّية الظاهرة ؛ فتكون العقلية أقوى من الباطنة بمراتب أولى وأظهر.
وممّا يدلّ على أنّ اللذّة العقلية أقوى من الحسّية وقسيمها (٥) أنّ الحسّية
__________________
(١). س : تجليه إليه.
(٢). رزين العقل : أصيل الرأي.
(٣). الهريسة : طعام يعمل من الحبّ المدقوق واللحم.
(٤). انظر : الإشارات والتنبيهات ، ج ٣ ، صص ٣٣٦ ـ ٣٣٤.
(٥). س : الحسية بقسيمها.
