المبصرات من الألوان والأجسام والأضواء إمّا بالانطباع أو بخروج الشعاع ؛ وعلى التقديرين تصير تلك الأجسام والألوان والأضواء المدركة بقوّة الباصرة حاضرة عند النفس بواساطتها ؛ [و] قوّة سامعة متمكّنة من إدراك الأصوات والحروف حتّى ترتسم فيها وتصير حاضرة عند النفس ؛ وقوّة شامّة تدرك المشمومات ؛ وذائقة تدرك المذوقات ؛ ولامسة تدرك الملموسات حتّى تصير تلك المدركات مرتسمة في تلك القوى وتصير حاضرة عند النفس.
ثمّ لمّا لم يكن لتلك القوى أن يكون إدراكاتها دائمية ؛ إذ البصر قد ينظر إلى بعض الأشياء وقد لا ينظر ، والسمع قد يسمع بعض المسموعات وقد لا يسمع ، وكذا الحال في ساير القوى ؛ وظاهر أنّها إذا لم يشتغل بإدراكاتها بالفعل لا يكون شيء من مدركاتها مرتسمة في ذواتها حتّى يكون حاضرة عند النفس ؛ فخلق الله تعالى قوّة خيالية وجعلها خزانة لما تدركه الحواسّ من الصور بأن جعل في تلك القوّة الخيالية قدرة تأخذ بها جميع ما تدركها الحواسّ الظاهرة من الصور وبأن جعل في تلك القوّة الخيالية قدرة تأخذ بها جميع ما تدركها الحواسّ الظاهرة من الصور وتحفظها وخلق قوّة حافظة وجعلها خزانة للمعاني الجزئية ؛ فشأنها أن تأخذ كلّ ما تدركه الواهمة من المعاني الجزئية حتّى تكون جميع الصور والمعاني الجزئية التي أدركتها الحواسّ الظاهرة والواهمة حاضرة للنفس دائما مشاهدة لها بالعلم الحضوري ولا تكون عند عدم اشتغال القوى المدركة بالإدراك جاهلة غير عاملة بشيء منها بالعلم الحضوري.
فحصل للنفس بتوسّط تلك القوى العلم الحضوري بالمعاني الجزئية وجميع الأشياء العينية المادّية من الجواهر والأعراض ؛ فتمكّنت (١) من العلم بحقائق جميع الأشياء على الوجه الكلّي الحصولي وبوجوداتها على الوجه الجزئي الحضوري
__________________
(١). س : فيمكنت.
