قلنا : ما ذكرت من وجود المنافع والمصالح في الآفاق والأنفس ممّا نعلمه ولا نعلم كثيرا ، بل ما لا نعلمه (١) أكثر ممّا نعلمه ؛ بل المحقّق الخبير يعلم أنّ الحكم والمصالح المودعة في العالم الكبير والصغير ممّا لا يحصى كثرة ولا يتناهى عدّة وشدّة ولكنّ ذلك لا يوجب أن تكون لفعله تعالى علّة غائية خارجة عنه (٢) ؛ لأنّ ذاته تعالى لا يحصل منها الأشياء إلّا على أتمّ ما ينبغي وأبلغ ما يتصوّر من المنافع والمصالح ؛ لأنّ ذاته منبع (٣) الخيرات ومنشأ الكمالات ؛ فيصدر منه كلّ ما يصدر على أقصى ما يتصوّر في حقّه من الخير والكمال والرتبة والجمال سواء كان ضروريا له كوجود (٤) العقل للإنسان والنبيّ للامّة أو غير ضروري كإنبات الشّعر على الأشفار والحاجبين وتقعير الأخمصين من القدمين ، بل نقول : عناية كلّ علّة لما يعدّها سبيله ـ كما مرّت الإشارة إليه ـ هذا السبيل من أنّها لا يجوز أن يعمل عملا لأجل معلولها ولا أن يستكمل بها دونها. اللهمّ! إلّا بالعرض لا بالذات ولا أن يقصد فعله لأجل المعلول وإن كان يعلمه ويرضى به.
وبالجملة : إثبات الغرض في فعله لا يوافق القواعد العقلية إلّا أنّ الظواهر الشرعية تدلّ عليه ؛ وعلى هذا فاللازم اتّباعها والتزام أنّ الغاية في فعل الواجب إذا كان مصلحة الغير ونفعه لا يوجب الاستكمال وإن لم يكن كذلك في أفعالنا.
ثمّ إنّ الواجب تعالى كما هو غاية للأشياء بالمعنى المذكور كذلك هو غاية بمعنى أنّ جميع الأشياء لكونها طالبة / B ١٤٦ / للكمال وهو كمال الأتمّ والتامّ فوق التمام يطلب التشبّه به والوصول إليه بحسب ما يتصوّر في حقّها ويمكن في طبائعها ؛ فلكلّ منها شوق وعشق إراديا كان أو طبيعيا ؛ ولذا حكم الإلهيّون بسريان العشق والشعور في جميع الموجودات على تفاوت درجاتهم واختلاف
__________________
(١). س : لا تعلمه.
(٢). س : عن.
(٣). س : تتبع.
(٤). س : لوجود.
