فذاته بذاته منشأ ومبدأ لهذه الامور وانتزاعها عن غير مدخلية شيء آخر ومبدئيته لكلّ منها في ضمن فاعليته التامّة ومبدئيته المطلقة وقيّوميّته الحقّة للكلّ ؛ فإنّ مبدئيته للجميع وصدور الكلّ منه بالوجوب يندرج فيه مبدئيته للرجحان المطلق ورجحان أحد الطرفين وإيجابه. فمنشأ انتزاع هذه المفهومات وغيرها صرف الذات بذاته ؛ وأمّا فينا فلهذه الامور مبادئ مختلفة متعدّدة بعددها ، حادثة في نفوسنا ؛ إذ مبدأ الرجحان المطلق قصد وميل ضعيف يحدث فينا ؛ وهو المراد بالمشيّة ؛ ومبدأ رجحان أحد الطرفين ميل أقوى من الأوّل يحدث ؛ وهو المراد بالاختيار ؛ ومبدأ إيجابه ميل قويّ و/ B ١٤٣ / قصد مؤكّد ؛ وهو المراد بالإرادة.
وقد ظهر ممّا ذكر أنّ المعنى الحقيقي الكمالي للإرادة كغيرها من صفاته تعالى هو مجرّد الذات بذاته ولها معنى إضافي مترتّب على الحقيقي ـ أعني الذات ـ وهو الذي يترتّب عليه الفعل بلا واسطة ويصير الصدور لأجله واجبا ؛ فإنّك قد عرفت أنّ الإرادة ما يتبعه الفعل ويلزمه وذات الواجب سبحانه بذاته وإن كان مبدأ الكلّ ومصدره ويترتّب الجميع عليه إلّا أنّ ذلك مسبوق بعلمه تعالى بذاته وبما يصدر عنه. فوجوب الصدور إنّما هو بعد العلم أو ما يلزمه ويليق بالواجب تعالى من الرضاء أو البهجة أو الحبّ أو أمثال ذلك ممّا يتضمّن ما يعبّر عنه في الفارسية ب «خواستن».
فالإشراقيّون المتكثّرون للعلم الحصولي القائلون بأنّه تعالى فاعل بالرضاء بمعنى أنّ إيجاده في العالم لا يتوقّف على علم فعلي حصولي ، بل بمجرّد علمه بذاته تصدر عنه الأشياء منكشفة لديه ، قالوا : إنّ إرادته هو علمه بذاته لترتيب الصدور عليه من دون توقّفه على شيء آخر.
والمشّاءون القائلون بأنّ فاعليته للصور المرتسمة في ذاته بالرضاء لصدورها عنه بمجرّد علمه بذاته من دون توقّفها على صور اخرى وللأشياء الخارجية
