[٦.] ومنهم من ذهب إلى أنّ ذاته تعالى كما هو مظهر جميع أسمائه وصفاته كذلك هو مرآة لانكشاف الأشياء بأسرها عليه تعالى ومجلى يرى به وفيه صور الموجودات برمّتها من غير حلول واتّحاد ؛ إذ الحلول يقتضي وجود شيئين لكلّ منهما وجود يغاير وجود صاحبه والاتّحاد يستدعي ثبوت أمرين يشتركان معنى في وجود واحد ينسب ذلك الوجود إلى كلّ منهما بالذات وهنا ليس كذلك ، بل ذاته بمنزلة مرآة يرى فيها صور الموجودات بأسرها وليس وجود المرآة وجود ما يتراءى فيها أصلا.
والتوضيح : أنّ ما يظهر في المرآة ويتراءى من الصور ليست هي بعينها الأشخاص الخارجية كما ذهب إليه الرياضيّون القائلون بخروج الشعاع ؛ ولا هي صور منطبعة فيها كما اختاره الطبيعيّون ؛ ولا هي من موجودات عالم المثال كما زعمه الإشراقيّون ، بل هذه الصور موجودات لا بالذات بل بالعرض وبتبعية وجود الأشخاص المقترنة بجسم مشفّ وسطح صقيل على شرائط مخصوصة ؛ فوجودها في الخارج وجود الحكاية بما هي حكاية وكذلك وجود الماهيّات والطبائع الكلّية في الخارج ؛ فالكلّي الطبيعي ـ أي الماهيّة من حيث هي ـ موجودة بالعرض ؛ لأنّه حكاية (١) الوجود وليس معدوما مطلقا كما عليه المتكلّمون ولا موجودا أصيلا كما ذهب إليه الحكماء ، بل له وجود ظلّي تبعي.
وأنت تعلم أنّ محصّل هذا الوجه أنّ الأشياء لمّا كانت لوازم ذاته وتوابع وجوده فهي كالأظلال والعكوس له ؛ فهو كمرآة حاكية لها وإن كان بينهما فرق من حيث إنّ الصور الظاهرة في المرآة إنّما هي توابع الأشخاص الخارجة عن المرآة وإن كانت المرآة حاكية لها. فالمتبوع والحاكي هنا متغايران ؛ وأمّا الأشياء التابعة للواجب الظاهرة منه فهي مع كونه تعالى حاكيا لها تابعة له أيضا في الوجود لكونه
__________________
(١). س : حكايت.
