وإذ عرفت ذلك في مجموع الموجودات الذي هو الإنسان الكبير فاعلم أنّ حكم الإنسان الذي هو العالم الصغير وخلاصة الموجودات وفذلكة حساب الكائنات وآخر النشأت (١) الإمكانية باعتبار وأوّلها باعتبار آخر كذلك ؛ إذ له ظاهر هو البدن ، ولهذا الظاهر باطن هو القوى السارية فيه ، ولهذا الباطن أيضا باطن هو النفس (٢) المجرّدة ، ولهذا الباطن باطن هو الروح القدسي ـ أعني العقل الأخير الواقع في سلسلة العقول الطولية ـ ولهذا الباطن أيضا باطن إلى أن ينتهي إلى الوجود الحقّ الحقيقي.
وكما أنّ مراتب الحسّ والمثال والأرواح والعقول من أجزاء العالم والمرتبتين الأخيرتين خارجتان عنها وإنّما يصل بعض أجزائه ـ أعني العقول ـ إليهما بالاتّصال فكذلك هذه المراتب الثلاث داخلة في الإنسان والمرتبتان الأخيرتان خارجتان منه وإنّما يصل بعض أجزائه وهو النفس (٣) المجرّدة إليهما بالاتّصال.
وكما أنّ البدن وقواه وما في القوى من النفوس والصور الجزئية والنفس المجرّدة وما فيها من الصور الكلّية والعقول وما يثبت فيها من الامور اللائقة كلّها من فيض الحقّ ومظاهر أسمائه وصفاته لكن بالترتيب ؛ فإنّ حياة البدن بالقوى السارية فيه وحياتها بالنفس المجرّدة وحياتها بروح القدس وحياته بالأخرة بالوجود الحقّ كذلك حال مجموع العالم ؛ فإنّ حياة مجموع الأجسام بالطبائع والقوى السارية فيها وحياتها بالنفس القدسية المتصرّفة في تلك القوى وحياتها بالعقول وحياتها بالوجود الحقيقي الذي هو الحيّ بذاته الكامل في صفاته ، فلا وجود ولا موجود ولا حيّ ولا حياة ولا كامل ولا كمال ولا علم ولا عالم ولا قدرة ولا قادر إلّا هو تعالى شأنه.
__________________
(١). س : النشأط.
(٢). س : نفس.
(٣). س : نفس.
