المجاهدات العظيمة وذوا النفوس القدسية السليمة ؛ فلا تظنّ بمثلهم أن يعتقدوا عن آخرهم في باب التوحيد ما لا يليق بساحة قدسية ويحكم بديهة / B ٤٨ / العقل بفساده وقبحه ؛ وكذا لا تشكّ في أنّ أساطين الحكمة وقدماء الفلسفة يبعد اتّفاقهم على خلاف الحقّ في مسئلة التوحيد ؛ لأنّهم أصحاب الأنظار الثاقبة وأرباب التأييدات الإلهية ؛ فلا ينبغي لهم أن يخطئوا في أصل المعارف واسّها.
فالحقّ أنّ عقيدة الكلّ في التوحيد واحدة والخلاف إنّما نشأ من اختلاف المتأخّرين في فهم كلامهم والغفلة عن بعض مقاصدهم ؛ وبيان ذلك يتوقّف على تنبيهات :
[الأوّل :] لا خلاف بين الكلّ في أنّ الواجب تعالى صرف الوجود والنور ، ومحض الإنّية والظهور ، متعيّن بذاته من كلّ وجه ، ولا كثرة فيه من جهة ، مطلق من جميع القيود التي هي نقائص الإمكان وقصورات طوارق الحدثان ، محقّق الحقائق والأعيان ومظهر ماهيّات الأكوان ، ومحض الفعلية والكمال ، وأتمّ التامّ وفوق التمام ، ومجرّد عن كلّ قيد حتّى عن الإطلاق والتجريد ، ومنزّه عمّا سواه حتّى عن التنزيه والتقديس.
وإطلاق الوجود المطلق على هذا المعنى لإطلاقه من قيود الماهيّات شايع ، كما يطلق الماء المطلق على الماء الذي لا يتقيّد بشيء ينافي كونه محوضة الماء وصرافته ، بل هو أولى من إطلاقه على المطلق الشامل ؛ وما في كلام كبراء الصوفية من إطلاق الوجود المطلق على الواجب تعالى إنّما هو بهذا المعنى.
[الثاني :] قد تقدّم أنّ المجعول بالذات وجودات خاصّة مقيّدة بظلمات الماهيّات والإمكان ، ممازجة بالقصور والنقصان ، مشوبة بالأعدام والبطلان ، فاقدات للمراتب الكمالية سيّما المرتبة الجامعة لجميع أنحاء الكمالات الذاتية التي لصرف الوجود الحقّ ، نازلات عن تلك المرتبة إلى مراتب النزولات
