تحقّقها فيه على وجه أعلى وأشرف وأكمل بحيث لا مقايسه ولا نسبة متناهية بل غير متناهية بين ما هو في الواجب وما هو في الممكنات ؛ وليس حقيقة ما هو في الواجب وكيفية اشتماله له معلومة لأحد ؛ فإنّ العالم الربوبي عظيم جدّا ولا يمكن أن يدركه أحد من الممكنات المعلولة وما يظهر لنا من معارفه مشتهيات وتخيّلات مهيّجة للأشواق ومقرّبة إلى ما هو الواقع ببعض الجهات.
وما يتوهّم من ظاهر كلام بعض الصوفية من انفصال الوجود الجمعي الواجبي بعينه إلى الوجودات المقيّدة الإمكانية ، كقول بعضهم في تفسير قوله تعالى : (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) (١) الرتق إشارة إلى وحدة حقيقة الوجود الواحد البسيط والفتق إلى تفصيلها سماء وأرضا وعقلا ونفسا وملكا ؛ وكما أنّ الوجود حقيقة سارية في جميع الموجودات على التفاوت والتشكيك بالكمال والنقص فكذا صفاته الحقيقية التي هي العلم والقدرة والإرادة والحياة سارية في الكلّ سريان الوجوب على وجه يعلمه الراسخون. فجميع الموجودات حتّى الجمادات جمّة عالمة ناطقة بالتسبيح شاهدة لوجود ربّها عارفة بخالقها ومبدعها ليس محمولا على ما يتراءى منه في بادئ النظر كما يؤمئ إليه قوله : «على وجه يعلمه الراسخون.»
والحقّ الذي يجب أن يعتقده في هذا المقام كلّ موحد ديّن وهو أشرف الأنحاء في علوّ ذاته وقدرته وقوّته وأفضل الوجوه في كيفية صنعه وإفاضته بحسب أذهاننا القاصرة هو ما تقدّم من أنّه تعالى صرف الوجود التامّ الغير المتناهي من حيث الموجودية والكمال والقدرة والقوّة كما يأتي الإشارة إليه ؛ وقد أفاض النظام الأكمل الأعلى الذي لا يعقل ولا يتصوّر ؛ ولا يمكن في الواقع نظام وخلق أحسن وأفضل منه ؛ وهو مشتمل على المجرّدات والمادّيات و
__________________
(١). الأنبياء / ٣٠.
