قادرين إلا أنه يصح من كلّ واحد منهما (١) إيجاد ما يصح من الآخر إيجاده ، ولا شك أنّهما على القول بإثباتهما جميعا قد اشتركا في أنّ كل واحد منهما قادر لذاته ، فلا اختصاص لذاته بمقدور دون مقدور على ما تقدم تفصيله ، فثبت أنه يؤدى إلى مقدور بين قادرين ، وإنما قلنا بأن مقدورا بين قادرين محال ؛ لما قدمنا ذكره والدلالة عليه أوّلا.
الوجه الثاني : أن ذلك يؤدى إلى القول بوجوب صحة التمانع بينهما ، ولا يجوز أن يصح بينهما التمانع ، وإنما قلنا : بأنه يؤدي إلى وجوب صحة التمانع ؛ لأنّ كل قادرين يصحّ بينهما التمانع والاختلاف ؛ لأنا لا نعنى بصحة التمانع إلا أنه يصحّ من كل واحد منهما إيجاد ضدّ ما يصحّ من الآخر إيجاده ، وقد ثبت أنّ كل واحد من القادرين يتعلق كونه قادرا بالضّدّين كالحركة والسكون ونحو ذلك ، على ما نبيّنه إن شاء الله تعالى في فصل الاستطاعة ، فوجب أن يصحّ من كل واحد من القادرين إيجاد كل واحد من الضّدّين بدلا عن صاحبه ؛ لاشتراكهما في الصفات التي قدمنا ذكرها ، وإلا بطل كونه قادرا عليه ، ولم ينفصل حاله عن حال العاجز ، بل هذه القضية ألزم في القديمين والإلهين ، إذ كلّ واحد منهما قادر على جميع أجناس المقدورات ، ومن كل جنس ، في كل وقت ، على ما لا نهاية له ، فيجب أن يصحّ من كل واحد منهما إحداث ضدّ ما يصحّ من الآخر إحداثه ؛ لأنّ المتضادات داخلة في جميع أجناس المقدورات ، ولسنا نعنى بإمكان التمانع بينهما إلا ذلك. وإنما قلنا : بأنه لا يجوز أن يصحّ بينهما التمانع ؛ لأنّا لو قدّرنا وقوع هذا الممكن وهو أن أحدهما أراد تحريك جسم في حال ما يريد الآخر تسكينه لم يخل الحال من أمور ثلاثة :
__________________
(١) في (ب) : من كل قادر منهما.
