ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المؤلف:

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين


المحقق: د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٩٩
  نسخة غير مصححة

ومما يدل على أن القدرية هم المجبرة إجماع الصحابة (رض) على ذلك ، وإجماعهم حجة. ولو لم يكن في ذلك إلّا ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام لكفى ، فإنه روي أنه عليه‌السلام لمّا انصرف من صفّين قام إليه شيخ فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره؟ فقال : والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ما قطعنا واديا ولا علونا تلعة ولا وطئنا موطئا إلا بقضاء من الله تعالى وقدر. فقال الشيخ : عند الله أحتسب عنائي ومسيري ، والله ما أرى لي من الأجر شيئا ، فقال : بلى قد عظّم الله لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليها مضطرين. فقال الشيخ : وكيف يكون ذلك والقضاء والقدر اللذان ساقانا ، وعنهما كان مسيرنا؟ فقال أمير المؤمنين : لعلّك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما؟ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، والأمر من الله والنّهي ، ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن ، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء ، ولا المذنب كان أولى بعقوبة الذّنب من المحسن. تلك مقالة إخوان الشياطين (١) ، وعبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وشهود الزور ، وأهل العمى والفجور ، وهم قدرية هذه الأمّة ، ومجوسها. إنّ الله تعالى أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا ، وكلف يسيرا ، ولم (٢) يكلّف مجبرا ، ولا بعث الأنبياء عبثا ، ولا أرى عجائب الآيات باطلا (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [ص ٢٧]. فقال الشيخ : ما القضاء والقدر اللّذان ما وطئنا موطئا إلا بهما؟ فقال علي عليه‌السلام : الأمر من الله والحكم ، ثم تلى قول الله تعالى : (وَقَضى رَبُّكَ

__________________

(١) في (ب) ، (ج) و (د) : الشيطان.

(٢) في (أ) : لم.

١٨١

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء : ٢٣] فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول :

أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته

يوم النشور من الرّحمن رضوانا (١)

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا

جزاك ربّك عنّا فيه إحسانا

نفسي الفداء لخير الناس كلّهم

بعد الرسول عليّ الخير مولانا

نفى الشّكوك مقال منك متّضح

وزاد ذا العلم والإيمان إيمانا

فليس معذرة في فعل فاحشة

لوما (٢) لراكبها بغيا وعدوانا

لا لا ولا قائل ناهيه أوقعه

فيها عبدت إذن يا قوم شيطانا (٣)

والمعلوم لمن عرف الأخبار ، وبحث عن السّير والآثار أنّ الصحابة مجمعون على أنّ القدرية هم الذي يقولون : إنّ المعاصي بقضاء من الله تعالى وقدر ، بمعنى أنّه فعلها فيهم ، ولم يمكّنهم من التخلص منها في حال من الأحوال ، وعاقبهم عليها. وممّا يوضّح أنّ القدرية هم المجبرة ـ أنّ القدرية إنّما سمّوا بذلك لكثرة ذكرهم للقدر ولهجهم به ؛ لأنهم يقولون في كل فعل يفعلونه : قدّره الله عليهم ، وإنما قلنا ذلك ؛ لأنّ من أكثر من شيء ـ نسب إليه ، مثل من أكثر من رواية النّحو نسب إليه ، فقيل : نحويّ. ومن أكثر من رواية اللغة ، قيل : لغويّ. كذلك من أكثر من ذكر القدر ـ فقال في كل فعل يفعله : قدّره الله

__________________

(١) في (ب) : وهو يقول شعرا ، وبعده :

أخو النبيّ ومولى المؤمنين معا

وأوّل الناس تصديقا وإيمانا

وبعل بنت رسول الله سيدنا

أكرم به وبها سرا وإعلانا

قال في أم هذه النسخة ما لفظه : قوله : أخو النبي ... البيت ، والبيت الذي بعده زائدان على نسخة الأم ثابت في نسخة غيرها ، تمت والله أعلم.

(٢) في (ب) ، (ج) ، (د) : يوما.

(٣) روى كلام الإمام علي (ع) القاضي جعفر في ص ٢٩ ، ١٢٥ ، والأبيات في ص ١٢٦ من خلاصته. ورسائل العدل والتوحيد ص ٢٤٣. والنهج ٤٨١ رقم ٧٨.

١٨٢

عليه ـ قيل : قدريّ. والقياس مطرد ؛ فإن قيل : إنا ننسب العدلية إلى ذلك لقولهم بالقدرة ، فيجب أن يكونوا هم القدرية ـ قلنا : إنّ ذلك لا يصح من طريق اللّغة ، فإنّ النّسبة إلى القدرة قدريّ ـ بضم القاف ، وسكون الدّال ـ بخلاف النّسبة إلى القدر فإنها بفتح القاف والدال ، فوجب أن يكونوا بذلك أولى.

فإن قيل : إنّ العدلية بذلك أولى ؛ لأنهم يقولون : إنهم يقدّرون أفعالهم ـ قلنا : إن ذلك لا يصح ، فإن الله تعالى قد وصف بعض خلقه بمثل مذهب العدلية ، فقال تعالى : (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) [المدثر : ١٨ ـ ٢٠] ، وهو تعالى لا يكذب ؛ لأنّ الكذب قبيح ، وهو لا يفعل القبيح على ما مضى. والموصوف بهذه الآية هو الوليد بن المغيرة (١). فقوله : (فَكَّرَ) أي نظر ، (وَقَدَّرَ) ما يقول في القرآن (فَقُتِلَ) أي عذّب ولعن. وكرّر ذلك لكثرة تقديرات الوليد لعنه الله. ثم إنّا نقول : لو كان هذا الاسم يلزم العدلية لقولهم : بأنّهم يقدّرون أفعالهم ـ لوجب اطّراد ذلك ، فكان يلزم أن يقال في الله تعالى : مثل ذلك ؛ لأنه تعالى وصف أفعاله بمثل ما وصفت به العدلية أفعالهم ، قال تعالى : (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها) [فصلت : ١٠] أي خلق. ومعلوم خلاف ذلك.

فبطل بذلك جميع ما تعترض به الجبرية الحشوية ، وصحّ أنهم القدرية دون العدلية ، والحمد لله وحده ، وثبت بذلك الفصل الأول وهو في القضاء والقدر.

__________________

(١) من بني مخزوم ، ولد سنة ٩٥ قبل الهجرة وهو من زعماء قريش أدرك الإسلام وهو شيخ هرم ، فعاداه ، وقال : إن الناس يأتونكم في الحج فيسألونكم عن محمد فتختلف أقوالكم فيه ، فيقول : هذا كاهن ، ويقول : هذا شاعر ، ويقول : هذا مجنون ، وليس يشبه واحدا مما تقولون ، ولكن أصلح ما قيل فيه : ساحر ؛ لأنه يفرق بين المرء وأخيه ، والزوج وزوجه. وهو والد خالد بن الوليد مات كافرا في السنة الأولى من الهجرة. ينظر الأعلام : ٨ / ١٢٢.

١٨٣

وأما الموضع الثاني :

وهو في الهدى والضّلال. ففيه فصلان :

أحدهما في الهدى. والثاني في الضلال.

أما الفصل الأول ـ وهو في الهدى

فالكلام فيه يقع في موضعين : أحدهما في تعيين معانيه. والثاني في كيفية إضافته إلى الله تعالى ، وكيفية حمل ما في القرآن من ذلك.

أما الموضع الأول : وهو في تعيين معانيه ؛ فله معان خمسة : أحدها الهدى بمعنى البيان ، والدلالة ، يحكيه قول الله تعالى : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) [البقرة : ١٨٥] أي دلالة. وثانيها الهدى بمعنى الفوز والنجاة والثواب ، يحكيه قوله تعالى : (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ) [محمد : ٥] أي ينجيهم ويثيبهم. وثالثها بمعنى زيادة التوفيق والتسديد ، يحكيه قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) [محمد : ١٧] ، أي زادهم توفيقا وتسديدا بشرح صدورهم ، وهو اللطف. ورابعها الهدى بمعنى خلق العلوم الضرورية ، يقال : جعله مهتديا إذا خلق فيه الهداية ، وهي خلق العلوم الضرورية ، كما يقال : جعله متحركا إذا خلق فيه الحركة. وخامسها الهدى بمعنى الحكم والتسمية ، يحكيه قوله تعالى : (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) [النساء : ٨٨] ، وعليه يدل قول شاعر الخوارج في علي عليه‌السلام :

ما زال يهدي قومه ويضلّنا

جهلا وينسبنا إلى الكفّار

١٨٤

وكما قال الكميت بن زيد رحمه‌الله في أهل البيت (ع) (١) :

وطائفة قد أكفروني بحبكم

وطائفة قالوا : مسيء ومذنب

أي سمّوني كافرا وحكموا عليّ بذلك. فثبت الموضع الأول وهو في تعيين معاني الهدى.

وأما الموضع الثاني : وهو في كيفية إضافته إلى الله تعالى ، وكيفية

حمل ما في القرآن من ذلك.

أمّا كيفية إضافته إلى الله تعالى ، فالهدى بمعنى الدلالة والبيان ، وخلق العلوم الضرورية ـ يجب أن يفعله الله تعالى لجميع المكلفين (٢) سواء كانوا عاصين أو مطيعين ؛ لأنّ تكليفهم من دون ذلك يكون تكليفا لما لا يعلم ، وهو قبيح بالإجماع ، ويكون تكليفا لما لا يطاق وهو قبيح أيضا ، وهو تعالى لا يفعل القبيح على ما تقدم تحقيقه ، وما عدا ذلك من معاني الهدى لا يجوز أن يفعله الله تعالى إلا للمؤمنين دون غيرهم من المكلّفين ـ وهو الهدى بمعنى الثواب ، وبمعنى زيادة التوفيق ـ لأن المجازاة بالثواب لمن لا يستحقّه تكون

__________________

(١) هو الكميت بن زيد الأسدي الكوفي ، ابن أخت الفرزدق. ولد سنة ٦٠ ه‍. شاعر عارف بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها له الهاشميات في مدح بني هاشم وأهل البيت ، خطيب بني أسد ، وفقيه الشيعة ، كان فارسا شجاعا سخيّا راميا لم يكن في قومه أرمى منه. اجتمعت فيه خصال لم تجتمع في شاعر ؛ لو لا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان ، ولو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم ـ وأنا أقول : لو لم يكن لدى الشيعة شاعر غير الكميت لكفاهم. وشعره أكثر من خمسة آلاف بيت ، وأشهر شعره الهاشميات في مدح بني هاشم مطلعها :

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب

ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب

وقد ترجمت إلى اللغة الألمانية. توفي سنة ١٢٦ ه‍. أنظر معجم المؤلفين ٢ / ٦٧١.

والأعلام ٥ / ٢٣٣. والغدير ٢ / ١٩٥. والروضة المختارة شرح القصائد ص ٢٩.

(٢) في (ب) : لكل المكلفين.

١٨٥

قبيحة على ما يأتي بيانه ، وهو تعالى لا يفعل القبيح على ما تقدم ، وكذلك الهدى بمعنى الحكم والتّسمية لا يجوز أن يحكم بالهدى إلّا للمؤمنين الذين قد اهتدوا بالهداية الأصلية ، ولا يسمّي بذلك إلا المهتدين وهم المؤمنون دون غيرهم.

وأما كيفية حمل ما في القرآن من ذلك ، فإذا ثبت ذلك قلنا : إنّ كتاب الله تعالى لا يدخله التناقض والاختلاف ؛ لقوله تعالى : (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت : ٤٢] ، ولقوله تعالى : (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء : ٨٢] ؛ فيجب أن ينزّه عن التعارض والتناقض والفساد ، وذلك لا يتمّ إلا بحمل الألفاظ المتشابهة على أدلة العقول ، ومحكم القرآن ، فمتى أضاف الله تعالى في القرآن الهدى إلى جميع المكلفين ؛ فالمراد به البيان والدّلالة ، وخلق العلوم الضرورية كما قال : (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى) [الإسراء : ٩٤] ومتى أضافه إلى بعض المكلفين بطريقة الإثبات ، وهم المؤمنون ، فالمراد به ما يجوز أن يفعله لهم من الألطاف والثواب كما قال تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً) [محمد : ١٧] ، وقال تعالى : (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ) [محمد : ٥] ، وقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ) [يونس : ٩] ، وقال تعالى : (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن : ١١] ، وقال : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) [الأنعام : ١٥٢] أي يوفّقه بالخواطر التي معها ينشرح صدره للإسلام ، أي لأجل الإسلام.

وما كان مضافا إلى بعض المكلفين على جهة الإثبات وهو المجرمون ، فالمراد به هدى الدلالة ، والبيان ، وخلق العلوم الضرورية.

١٨٦

وما كان مضافا إليهم بطريقة النّفي ؛ فالمراد منه (١) ما لا يجوز أن يفعله لهم ، كما قال تعالى : (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) [التوبة : ٨٠] ، (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) [التوبة : ٣٧] ونحو ذلك ، أي لا ينجّيهم ولا يثيبهم.

وإذا كان مضافا إلى نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطريقة الإثبات فالمراد به ما يدخل (٢) تحت مقدوره ، وهو الهدى بمعنى الدلالة والبيان ، كقوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى : ٥٢] ومتى أضافه إليه بطريقة النفي فالمراد به ما لا يدخل تحت مقدوره ، وهو الهدى بمعنى الفوز والنّجاة والثواب ، كما قال تعالى : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [القصص : ٥٦] أي لا تنجي ولا تثيب. فثبت الفصل الأول وهو في الهدى.

وأما الفصل الثاني :

وهو في الكلام في الضّلال فالكلام فيه يقع في موضعين :

أحدهما في تعيين معانيه. والثاني في كيفية إضافته إلى الله تعالى ، وكيفية حمل ما في القرآن من ذلك.

أما الموضع الأول : وهو في تعيين معانيه ؛ فله ثمانية معان : أحدها الضلال بمعنى العقاب والجزاء ، يحكيه قول الله تعالى : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ* يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [القمر : ٤٧ ـ ٤٨] أي في عقاب ومجازاة على ضلالتهم. والشيء قد يسمّى باسم

__________________

(١) في (ب) ، (ج) : فالمراد به.

(٢) في (ب) : فالمراد ما يدخله ، وفي (ج) : فالمراد ما يدخل.

١٨٧

ما يجازى به عليه ، وباسم (١) ما يؤدّي إليه ، كما قال تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى : ٤٠] ، والجزاء لا يكون سيئة وإنما جرى في ذلك على عادة العرب. قال عمرو بن كلثوم (٢) :

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣)

فسمّى الجزاء على الجهل جهلا وافتخر به. والجهل نقص ، والعاقل لا يتمدّح بالنقص ، فثبت أن الشيء يسمّى باسم ما يجازى به عليه. وأمّا أنّه يسمّى باسم ما يؤدي إليه ، فدليله قول الله سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) [النساء : ١٠] ، فسمّاه نارا لمّا كان يؤدي إلى النار ، وإن كان في الدنيا شهيّا لذيذا.

وثانيها : الضلال بمعنى الهلاك ، والذهاب ، ومنه قوله تعالى : (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ) [السجدة : ١٠] معناه هلكنا وذهبنا وتقطّعنا.

وثالثها : بمعنى الإبطال ، ومنه قوله تعالى : (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) [محمد : ٤] أي فلن يبطل أعمالهم ، وكذلك قوله تعالى : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) [محمد : ١] أي أبطلها.

__________________

(١) في (ب) : ويسمى باسم.

(٢) عمر بن كلثوم التغلبي أحد أصحاب المعلقات السبع المشهورة. التي مطلعها :

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... إلخ وآخرها :

إذا بلغ الرّضيع لنا فطاما

تخر له الجبابر ساجدينا

ت ٤٠ ق ه ، وقيل : ١٤٠ ق ه. ينظر الأعلام : ٥ / ٨٤. ومجموع مهمات المتون ٨٠٦.

(٣) أنظر ديوانه ص ٤٠.

١٨٨

ورابعها : بمعنى التلبيس والتزيين للباطل ، والإشارة إلى خلاف الحقّ ، والاستدعاء إلى الكفر ، والأمر به ، يحكيه قول الله تعالى : (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) [طه : ٧٩] ، (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ) [طه : ٨٥] ، وقوله : (وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) [الشعراء : ٩٩]. وقوله تعالى للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) [سبأ : ٥٠] ، إلى غير ذلك.

وخامسها : بمعنى الحكم والتسمية ، يقال : أضلّه إذا سمّاه ضالّا وحكم عليه بالضلال. وعليه يدل قول الكميت ، وقول الخارجي وقد تقدم (١). ومثل ذلك قول طرفة بن العبد :

وما زال شربي الراح حتى أشرّني

صديقي وحتى ساءني بعد ذلكا (٢)

أي سمّاني شرّيرا.

وسادسها : أنّ الضلال قد يستعمل بمعنى الوجدان ، يقال : حطناه فما أضللناه ، أي فما وجدناه ضالّا. كما قال عمرو بن معدي : قاتلنا بني سليم فما أجبناهم ، وجاودناهم فما أبخلناهم ، وهاجيناهم فما أفحمناهم ، أي ما وجدناهم جبناء ، ولا بخلاء ، ولا مفحمين.

__________________

(١) ص ١٨٢.

(٢) طرفة بن العبد البكري الوائلي : شاعر جاهلي أحد أصحاب المعلقات السبع المشهورة ، مطلع معلّقته :

لخولة أطلال ببرقة ثهمد

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

وفي ختامها :

ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا

ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد

ينظر خزانة الأدب : ٢ / ٤١٩. الأعلام / ٢٢٥. ومجموع مهمات المتون ص ٧٨٨.

١٨٩

وسابعها : أن الضلال قد يكون بمعنى ضلّ عنده (١) ، كما يقال : أضلّ إذا وقع الضلال عند الذي ينسب الإضلال إليه ، قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه‌السلام : (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) [إبراهيم : ٣٦] أي ضلّ عندهن كثير. ومنه قوله تعالى : (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة : ١٢٥] أي ازدادوا عندها كفرا إلى كفرهم (٢) ، وذلك أنّهم كفروا بالسورة الأولى ، ثم كفروا بهذه السورة. وقيل : إثما إلى إثمهم (٣). وقيل : شكّا إلى شكّهم (٤) ، ونفاقا إلى نفاقهم. وإنّما أضاف ذلك إلى السورة لأنهم كفروا عند نزولها ، وكقولهم : وما زادتك موعظتي إلّا شرّا.

وثامنها : بمعنى ضلّ يقال : أضلّ فلان إذا ضلّ بعيره عنه. ويقال : أمات إذا ماتت راحلته. وأعطش إذا عطشت إبله. قال الشاعر :

هبوني امرأ منكم أضلّ بعيره

له ذمّة إنّ الذّمام كثير

فهذا هو الموضع الأول : في (٥) تعيين معاني الضلال.

__________________

(١) في الأصل : عنده وعبده ، وفي (ب) : عنده بكسر العين ونقط الباء من تحت والنون من فوق ، وكذلك (ج). وهو الأصح.

(٢) قاله قطرب ، كما في النكت والعيون للماوردي ٢ / ٤١٦.

(٣) قاله مقاتل ، كما ذكر ذلك الماوردي ٢ / ٤١٦.

(٤) قاله الكلبي ، ينظر نكت الماوردي ٢ / ٤١٦. والدر المنثور ٣ / ٥٢٢ عن السّدّيّ.

(٥) في (ب) ، (ج) : وهو في.

١٩٠

وأما الموضع الثاني :

وهو في كيفية إضافته إلى الله تعالى وكيفية حمل ما في القرآن من ذلك فاعلم أنّ الضلال على ضروب :

منها ما يصح أن يفعله الله تعالى بالجميع ، وهو الضلال بمعنى الهلاك والذهاب والتقطيع ؛ فإنه لا بدّ من إماتة كل مخلوق لقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران : ١٨٥] ، ولا بدّ بعد ذلك من الذهاب والتقطيع والعدم لقوله تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص : ٨٨] أي كل شيء فان إلّا ذاته (١). ولأنّ ذلك معلوم من دين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرورة.

ومنها ما يفعله الله تعالى ببعض المكلفين دون بعض ، وهو الضلال بمعنى العقاب وما أشبهه ؛ فإنه تعالى إنما يفعل ذلك ؛ بمن يستحقه من العصاة دون من لا يستحقه ؛ لأن العقاب لمن لا يستحقه يكون قبيحا على ما يأتي بيانه ، وهو تعالى لا يفعل القبيح على ما مضى بيانه. ومن ذلك قوله تعالى : (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم : ٢٧]. (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) [البقرة : ٢٦]. ونحو ذلك (٢).

__________________

(١) غريب القرآن للإمام زيد ص ٢٤٤ ، وقال : معناه إلا هو ، ويقال : ما أريد به وجهه من الأعمال الصالحة ، وهو قول مجاهد كما في الدر المنثور ٥ / ٢٦٧. والكشاف ٣ / ٤٣٧.

(٢) أول الآية : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ ...) الآية ، قال الزمخشري : وإسناد الضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب ؛ لأنه لمّا ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم ـ تسبّب في ضلالهم وهداهم. أقول : هذا هو تفسير العلماء الراسخين فلله أم أنجبت مثل الزمخشري. [الكشاف ١ / ١١٨] أما قراءة الإمام زيد يضلّ بفتح الياء فلا إشكال فيها. [الكشاف ١ / ١١٩] ، وسماها في الدر

١٩١

ومنها ما لا يصح أن يفعله الله تعالى بأحد من المكلفين ؛ وهو ما تقدم ذكره من التّزيين للباطل ، والتلبيس للحق ونحو ذلك ، لأنّ ذلك قبيح ، وقد ثبت أنه تعالى لا يفعل القبيح. ولا يصح أن يقال : إنّ من جملة معاني الضلال هو خلق الكفر والجهل في الناس حتّى يكونوا بذلك ضالّين ؛ لأنّ ذلك لم يوجد في اللغة العربية. وعلى أنه لو وجد فيها فإنه تعالى لا يصحّ أن يفعل ذلك ، من حيث إنّ ذلك قبيح ، وهو تعالى لا يفعل القبيح على ما تقدم بيانه. فهذا هو كيفية إضافته إلى الله تعالى (١).

وأما كيفية حمل ما في القرآن من ذلك ـ فاعلم أنه يجب حمل ما في القرآن من ذلك ومن جميع الآيات المتشابهة على ما يوافق أدلة العقول ، ومحكم القرآن ؛ لأن الأصل هو دلالة العقل ، ولو لا ها لما عرف كون القرآن حجّة يجب اتّباعها ، بل لا يعرف الصانع تعالى إلا بدلالة العقل ؛ كيف بمعرفة فعل من أفعاله وهو القرآن ، فكذلك يجب حمل ما فيه على موافقة أدلة العقول ، فيجب حمل ما في القرآن منسوبا إلى الله تعالى على الهلاك والعقاب للكفار والفساق ، وبمعنى التّسمية والحكم ، كما قال تعالى : (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ).

وكما قال تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) [الأنعام : ١٢٥] معناه من يرد الله أن يعاقبه جزاء على عمله للمعاصي يجعل صدره ضيّقا بما يورد عليه من الأسباب والأحوال الموجبة لضيق صدره حتى يصير من ضيقه ممتنعا من الصبر لشدة الضيق ، (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ

__________________

المصون قراءة القدرية والمعتزلة [١ / ٢٢٣]. والرازي مج ١ ج ٢ ص ١٥٣ وما بعدها. أقول : ولو كان الإضلال من الله لعباده لكان الله سبحانه أولى باللوم من العبد الذي لا حول له تعالى الله عن ذلك.

(١) ينظر الرازي مج ١ ج ٢ ص ١٥٢ فقد أتى بما يشفي ، ومتشابه القرآن ق ١ ص ٦٦.

١٩٢

فِي السَّماءِ) ، أي يطلع في السماء من عظم المشقة ، أو بمعنى أنّه فعل ما وقع منهم الضلال عنده (١) نحو ما قدمناه في قوله : (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة : ١٢٥] ؛ لأن ذلك هو الموافق لأدلة العقول ومحكم القرآن دون ما لا يصح فيه ومعنى قوله : (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [فاطر : ٨] أي يهلك ويعاقب من يشاء ، وهم المستحقون للعقوبة ، ويثيب من يشاء وهم المستحقون الثواب (٢) ؛ لأن ما عدا ذلك لا يجوز ، على ما تقدم. وعلى نحو ذلك يحمل ما في القرآن من الضلال والهدى

[فصل : الطّبع نعوذ بالله منه]

وعلى نحو ذلك يحمل ما في القرآن الحكيم من الطّبع والختم والفتنة ونحو ذلك. ونحن نورد طرفا من الآيات التي فيها ذكر الطّبع والختم والفتنة وما أشبه ذلك ، ونبين معانيها لتحصل الفائدة بمعرفة تلك المعاني (٣).

__________________

(١) ينظر متشابه القرآن ١ / ٢٦٢ ـ ٢٦٥. وقال الإمام الهادي يحيى بن الحسين عليه‌السلام في تفسير الآية : الشرح من الله هو التوفيق والتسديد والتبصير والتنبيه ، وأن معنى قوله جل جلاله : (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) [الأنعام : ١٢٥] هو بما يدارك عليه الأمر والدعاء ، أمر به عبده ورسوله ، ونزل عليه ، فكلما زاد الله في إقامة الحجة عليهم والدعاء لهم ، وإظهار الحق لديهم ازدادوا طغيانا وإثما وتماديا وعمى ، فخذلهم الله لذلك وأرداهم وأذلهم وأشقاهم ، فعادت صدورهم لما فيها من الشك والبلاء ، وما يخافون من ظهور الحق عليهم ، والهدى ضيقة حرجة ، كأنما تصعد في السماء ، وإنما مثل الله صفتها بالتصعيد في السماء ؛ لأن التصعيد أشد وأعظم البلاء. رسائل العدل ص ١٧٤.

(٢) في (ب) ، (ج) : للثواب.

(٣) ينظر البساط للإمام الناصر الأطروش ص ١٣٦.

١٩٣

فمن ذلك قوله تعالى (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) [البقرة : ٧] الختم نكتة سوداء يجعلها في قلب من يعلم أنه لا يؤمن علامة للملائكة. وقيل : تشبيه بمن ختم عليه كقوله : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة : ١٨] وكما قال الشاعر :

أصمّ عمّا ساءه سميع.

وقال :

لقد أسمعت لو ناديت حيّا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ومعناه أنّ الكفر تمكّن في قلوبهم فصارت كالمختوم عليها (١). وقيل :(خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) أي حكم عليهم وشهد بأنّ قلوبهم لا تقبل الحق. وهو ثابت في اللغة ، ومن ذلك ختمت عليك أنّك لا تفلح ، أي شهدت عليك (٢) ، وهو شائع في اللغة. فإن أهل اللغة قد يحذفون ألف الاستفهام كما قال شاعرهم (٣) :

[فو الله ما أدري وإني لحاسب]

بسبع رمين الجمر أم بثمان

ومن ذلك قوله تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) [البقرة : ١٠] معناه في قلوبهم شكّ فزادهم الله بما أنزل من الآيات والحجج شكّا

__________________

(١) مجمع البيان مج ١ ج ١ ص ٩٦.

(٢) في (ب) : وقيل : استفهام بحذف ألف الاستفهام وهو شائع في اللغة. وقال في هامش الأصل : هنا ساقط قدر نصف سطر ويمكن أن يكون ما لفظه : وقيل : وهو على حذف أداة تمت. كأنه يريد أداة الاستفهام يؤيده ما هو ثابت في (ب). ينظر متشابه القرآن ١ / ٥١.

(٣) هو عمر بن أبي ربيعة ، فقد ذكر عجز البيت وفيه رميت. ديوانه ٧٣.

١٩٤

فشكّوا عند ذلك (١). وقيل : بما أنزل من الفرائض والحدود (٢). وإنما أضاف الله الشّكّ إليه ـ وإن كان منهم ـ لأنه وجد عند حصول فعله وهو نزول الآيات ، وما زاده من الحجج ، كما ذكرنا في قوله تعالى : (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) ودللنا على ذلك. ومثل ذلك قول نوح عليه‌السلام : (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً) [نوح : ٦] وقيل : معنى قوله : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي غمّ بتمكين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزوله بالمدينة ، وما فتح الله عليه ، وظهور المسلمين ، وكثرة الفتوح (٣) (فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) أي غمّا بما زاده من القوة والتّمكين وبما أمده من النصر والتأييد.

ومن ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبليس لعنه الله (قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف : ١٦] قيل : أغويتني : معناه خيّبتني من رحمتك وجنّتك (٤). والإغواء : التّخييب. وقيل : جعلتني في العذاب بمصيري إليه بحكمك. وقيل : أغويتني أي حكمت بغوايتي. فيكون بمعنى الحكم والتّسمية. كما يقال : أضللتني أي حكمت بضلالتي ، وسمّيتني ضالّا على ما تقدم تحقيقه. وقيل : مذهب إبليس الجبر. والمجبرة أتباعه. وقد رد الله

__________________

(١) وبه قال ابن عباس كما ذكره الماوردي ١ / ٧٤ ، وابن مسعود كما ذكره السيوطي في الدر المنثور ١ / ٦٧.

(٢) انظر الماوردي : ١ / ٧٤.

(٣) انظر الماوردي ١ / ٧٤.

(٤) الماوردي ٢ / ٢٠٦ ، ومنه قول الشاعر :

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره

ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

أي ومن يخب. وينظر المتشابه ج ١ ص ٢٧٥. والبيت للمرقش.

١٩٥

عليه قوله حين لعنه ، وأوجب عليه العذاب ، حيث يقول : (قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً) [الأعراف : ١٨] مذءوم قيل : هو الاحتقار. وقيل : بمعنى مذموم. والمدحور هو المبعد من رحمة الله. وقال تعالى في الآية الأخرى : (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) [ص : ٧٨]. ومن ذلك قوله تعالى : (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) [التوبة : ٨٧].

روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام أنّ الطّبع نكتة سوداء في قلوبهم جعلت علامة لقلب الكافر يعلم به أنّه لا يفلح أبدا. وقيل : على وجه التشبيه والذّم لها ؛ فكأنها كالمطبوع (١) ؛ فلا يدخلها خير ، ولا ينتفي عنها شر. وقيل : استفهام بحذف ألف الاستفهام كما في الختم. ومن ذلك قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) [يس : ٨ ـ ٩] نزلت هذه الآية في أبي جهل وأصحابه ، حلف إن رأى محمدا يصلي ليرضخ رأسه بحجر فرآه فحمل حجرا فلزق بيده فعاد إلى أصحابه ، فقام رجل من بني مخزوم فقال : أنا أقتله بهذا (٢) الحجر فأعمى الله بصره (٣) ، وعليه يدل قوله تعالى : (فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ). فأما قوله : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً) .. الآية. فقيل : هو في الدنيا. شبّه الكفّار بمن هو كذلك في تركهم الإيمان. وقيل : يكون الكفّار كذلك في الآخرة وهو حقيقة.

__________________

(١) في (ب) : كالمطبوع عليها. انظر الماوردي ١ / ٥٤٢.

(٢) في (ب) : بهذه.

(٣) انظر الدر المنثور ٥ / ٤٨٥. والكشاف للزمخشري ٤ / ٦.

١٩٦

ومن ذلك قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه‌السلام : (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) [الأعراف : ١٥٥] ، فمعنى قوله : (فِتْنَتُكَ) أي امتحانك وبليّتك (١) ؛ لأنهم كلّفوا الصبر. وقيل : (فِتْنَتُكَ) عذابك (٢) ، وهو الرّجفة في قوله تعالى : (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) [الأعراف ١٥٥] الرجفة. قيل : هي الموت (٣) ، وقيل : رعدة شديدة رجفت لها قلوبهم فماتوا فبقي موسى يبكي ويقول : يا رب لو شئت أهلكتهم من قبل خروجهم معي فأخشى أن يتّهمني بنو إسرائيل بهلاكهم ، إلى غير ذلك ، فأحياهم الله تعالى. وعلى هذا النسق يجري الكلام في بيان معاني الآيات الجارية هذا المجرى.

مسألة :

ونعتقد أنّ الله تعالى لا يعاقب أحدا إلا بذنبه ولا يثيبه إلا بعمله

وهذه هي عقيدة جميع المسلمين. والكلام منها (٤) يقع في خمسة مواضع : أحدها : في حقيقة التعذيب. والثاني : في حقيقة (٥) المذهب وذكر الخلاف. والثالث : في الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه

__________________

(١) ينظر متشابه القرآن ١ / ٢٩٨. والكشاف ٢ / ١٦٤. والماوردي ٢ / ٢٦٦. والرازي مج ٨ ج ١٥ ص ٢٠. والخازن والبغوي ٢ / ٥٩٢. والقرطبي ٧ / ١٨٨. والألوسي مج ٦ ج ٩ ص ١١٠ ، علّل الامتحان بأن الله لمّا أسمعهم كلامه طلبوا رؤيته.

(٢) الطبرسي في مجمع البيان ٤ / ٤٦٩. والماوردي ٢ / ٢٦٦ ، وبه قال قتادة.

(٣) الرازي في التفسير مج ٨ ج ١٥ ص ٢٠.

(٤) في (ب) : فيها.

(٥) في (ب) ، (ج) : حكاية.

١٩٧

المخالفون من أدلة العقل. الرابع (١) : فيما يؤكد صحة مذهبنا ، ويبين (٢) فساد مذاهب المخالفين من أدلة الشرع. والخامس : في إيراد طرف مما يتعلق به المخالفون من الآيات والأخبار المتشابهة ، وبيان ما يجوز فيه (٣) من المعاني الصحيحة.

أما الموضع الأول : وهو في حقيقة التّعذيب

فالتعذيب هو إيصال الضّرر المحض إلى المعذّب. فقولنا : إيصال الضرر المحض ؛ لأنه لو لم يكن ضررا محضا لم يكن تعذيبا. ولو كان ضررا غير محض نحو أن يكون فيه نفع أو دفع ضرر أعظم منه لم يعدّ تعذيبا. فيدخل في ذلك المضارّ المستحقّة ، وهو ما يحسن من التعذيب. والمضارّ التي لا تستحقّ وهو ما يقبح من التعذيب. وقولنا إلى المعذّب أدخلنا في ذلك تعذيب الواحد منّا لنفسه بالمضارّ ، وتعذيبه لغيره ، فإنّ ذلك يعدّ تعذيبا في الوجهين جميعا.

ولا يشترط في التعذيب أن يكون على جهة الاستحقاق ؛ لأنّ الحاسد لو حرّق المحسود لعدّ معذّبا له ، وإن كان يعتقد عظم منزلته وعلوّ درجته ، فإنه قد يحسده لذلك وأشباهه ويعذبه عليه ، فثبت الموضع الأول.

وأما الموضع الثاني : وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف

فمذهبنا أهل البيت أنّ الله تعالى لا يعاقب أحدا إلّا بذنبه ، ولا يثيبه إلا بعمله ، وهو قول العدلية جميعا. وذهب قوم من الجبرية والحشوية (٤) إلى أن الله

__________________

(١) في (ب) ، (ج) : والرابع.

(٢) في (ب) : وتبيين فساد مذهب ، و (ج) : وتبيين فساد مذاهب.

(٣) في (ب) ، (ج) : فيها.

(٤) الحشوية لا مذهب لهم منفرد أجمعوا على الجبر والتشبيه وجسموا وصوروا وقالوا : بالأعضاء وقدم القرآن. قال الحاكم : منهم أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وداود ابن محمد الكرابيسي ومن متأخريهم محمد بن إسحاق بن خزيمة.

١٩٨

تعالى يعذب أطفال المشركين في النّار بذنوب آبائهم (١). ويتفرع على أصول جميع الجبرية التي تقدم ذكرها أنّه يحسن من الله تعالى أن يعذب الأنبياء في نار جهنم. وأن يثيب الفراعنة ، وأن يخلق حيوانا في نار جهنم ليعذبه فيها أبدا.

وأما الموضع الثالث : وهو في صحة الدلالة (٢) على ما ذهبنا إليه. وفساد ما ذهب إليه المخالفون من أدلة العقل ؛ فالذي يدل على ذلك أنّ المجازاة بالثواب والعقاب لمن لا يستحق ذلك تكون قبيحة والله تعالى لا يفعل القبيح. وإنّما قلنا : بأنّ المجازاة بالثواب والعقاب لمن لا يستحق ذلك تكون قبيحة. أمّا أنّ المجازاة بالعقاب لمن لا يستحقّ تكون قبيحة ـ فلأنها ظلم ، والظّلم قبيح. وإنما قلنا : إن المجازاة بالعقاب لمن لا يستحقّه تكون ظلما ؛ فلأنّ الظّلم هو الضّرر الذي يوصله الفاعل إلى غيره لا لنفع يصل إلى ذلك الغير ، ولا لدفع ضرر عنه ، ولا لاستحقاق ، ولا للظّن لأحد الوجهين المتقدّمين ، ولا يكون في الحكم كأنّه من جهة غير فاعل الضّرر سواء كان هو المضرور أو غيره (٣).

__________________

(١) ينظر الإبانة ص ٣٣ ، فإنه ذكر أنهم يعتقدون في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا ثم يقول لهم اقتحموها. وقد رد عليهم القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن ٢ / ٦٧١ حيث قال في قوله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ) : يدل على بطلان القول بأنه تعالى يعذب أطفال المشركين ؛ لأنه أورد ذلك منبها على أنه لا ذنب لها ، وأن الذنب للوائد. ولو كان تعالى يعذبها أبدا لم يكن لهذا معنى ؛ لأن التعذيب الدائم أعظم من قتل الوائد لها ، فلئن جاز أن تعذب ، ولا ذنب لها ؛ ليجوزون القتل المتقدم ، وإن لم يكن لها ذنب ، ويدل على ذلك أن الكافر لم يخلق كفره فيه ؛ لأنه لو كان كذلك لكان حاله حال الموؤدة في أنه لا ذنب له ، من حيث أدخل في الكفر على وجه لا يمكنه اختيار خلافه.

(٢) في (ب) : في الدلالة على صحة.

(٣) سيأتي مثاله فيمن يقتل معتديا فإن القتل كأنه من غير القاتل ؛ لأن الذي دعى إليه هو العدوان.

١٩٩

قلنا : الضّرر جنس الحدّ يشترك فيه جميع المضارّ الحسنة والقبيحة ، وينفصل بذلك عن المنافع المحضة ، فإنها (١) لا تعد ظلما. وقلنا : الذي يوصله الفاعل إلى غيره احترزنا بذلك عما يوصله إلى نفسه من المضارّ ؛ فإنه لا يعد ظلما على جهة الحقيقة ـ وإن جاز أن يجرى عليه ذلك مجازا ـ وذلك لأنّ قولنا : ظلم يستدعي ظالما ومظلوما وهما غيران ، والغيران هما كل شيئين ليس أحدهما هو الآخر ، ولا جملة يدخل تحتها الآخر. قلنا : ولا جملة يدخل تحتها الآخر احترازا عن مثل يد الإنسان فإنها (٢) لا تكون غيرا له لمّا كان الإنسان جملة تدخل تحتها يده. وقلنا : في حدّ الظّلم لا لنفع يصل إلى ذلك الغير ، ولا لدفع ضرر عنه احترزنا (٣) بذلك عمّا يكون فيه نفع كتأديب المؤدّبين للصبيان ؛ لأن يصلوا إلى المنازل الشريفة ، وعما يكون مفعولا لدفع ضرر أعظم منه ، نحو قطع اليد المستأكلة ، فإنّ جميع ذلك لا يعدّ ظلما. وقلنا : ولا لاستحقاق ؛ لأنّ ما يكون من المضارّ مستحقا لا يكون ظلما نحو الحدود وشبهها. قلنا : ولا للظّن لأحد الوجهين المتقدمين احترزنا بذلك عن المضار المفعولة لظنّ النفع ، أو لظنّ اندفاع الضرر بها ، نحو ما ذكرناه من تأديب المؤدّبين ، وقطع اليد المستأكلة ونحو ذلك ؛ فإن ذلك لا يكون ظلما وإن لم يوصل الى منفعة ، ولا اندفعت به مضرة متى كان مفعولا للظن لأحد هذين الوجهين (٤).

__________________

(١) في (ب) : وإنها.

(٢) في (ب) : فإنه.

(٣) في (ب) : احترازا ، وكذلك مثلها احترازا بعد خمسة أسطر.

(٤) في (ب) ، (ج) : لأحد الوجهين.

٢٠٠