التبجيل وعظائم التكريم لا يصدر عنه ما يذكره الذهبي في ترجمته :
١ ـ قرأت بخط أبي جعفر أيضاً : سمعت أبا المعالي يقول : قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً ، ثم خليت أهل الاسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة ، وركبت البحر الخضم ، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام ، كل ذلك في طلب الحق ، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد ، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق « عليكم بدين العجائز » فإن لم يدركني الحق بلطيف بره ، فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص ، لا إله إلا الله ، فالويل لابن الجويني (١) .
٢ ـ قال الحافظ محمد بن طاهر : سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب ـ وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام ـ فقال : سمعت أبا المعالي اليوم يقول : يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت يبلغ بي ما بلغ ، ما اشتغلت به (٢) .
ولو صح ذلك ، لما كان ينفعه مجرد الندم ، بل لكان عليه ـ وراء إبراز الندامة ـ أن يأمر بإحراق مسفوراته ، إلا ما كان منها مطابقاً للسنة ، وكان عليه البراءة مما كان يقول ، كما تبرأ شيخه الأشعري على صهوات المنابر ، ولعل هذه النقول كلها من موضوعات بعض الحنابلة الذين يروق لهم ترويج مذهبهم بعز والشخصيات البارزة إلى الانسلاك في سلكهم يوم هلاكهم وموتهم ، يوم لا ينفعهم الندم والانسلاك .
وكما لا يصح ذلك ، لا يصح ما نقل أيضاً :
١ ـ قال محمد بن طاهر : حضر المحدث أبو جعفر الهمداني مجلس وعظ أبي المعالي ، فقال : كان الله ولا عرش ، وهو الآن على ما كان عليه ، فقال أبو جعفر : أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها ، ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، فكيف
____________________
(١) سير أعلام النبلاء : ١٨ / ٤٧١ .
(٢) نفس المصدر : ١٨ / ٤٧٤ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

