ملامح المذهب الأشعري
إنّ الاطلاع التفصيلي على ملامح وسمات مذهب الإمام الأشعري يتطلب سبر أغوار كتبه على الوجه التفصيلي ، وعرض آرائه وأنظاره ، غير أنّا هنا نركز على أمرين رئيسيين يميزان ذلك المذهب عما تقدمه من مذهب المحدثين ، وإليك بيانهما :
١ ـ عدم عزل « العقل » في مجال العقائد
كانت المعتزلة تعتمد على العقل في المسائل الكلامية ، ويؤولون النصوص القرآنية عندما يجدونها مخالفة لآرائهم ـ بزعمهم ـ ولا يكادون يعتمدون على السنة ، ولأجل ذلك نرى أنهم أوّلوا الآيات الكثيرة الواردة حول الشفاعة ـ الدالة على غفران الذنوب بشفاعة الشافعين ـ بأن المراد رفع درجات الصالحين بشفاعة الشفعاء ، لا غفران ذنوب الفاسقين .
وكان المحدثون يرون الكتاب والسنة مصدراً للعقائد ، وينكرون العقل ورسالته في مجالها ، ولم يعدّوه من أدوات المعرفة في الأُصول ، فكيف في الفروع ، ولا شك أن هذا خسارة كبيرة لا تجبر .
وقد جاء الإمام الأشعري بمنهج معتدل بين المنهجين ، وقد أعلن أن المصدر الرئيسي للعقائد هو الكتاب والسنة ، وفي الوقت نفسه خالف أهل الحديث بذكاء خاص عن طريق استغلال البراهين العقلية والكلامية على ما جاء في الكتاب والسنة .
كان أهل الحديث يحرمون الخوض في الكلام ، وإقامة الدلائل العقلية على العقائد الإسلامية ، ويكتفون بظواهر النصوص والأحاديث ، ولكن الأشعري بعد براءته من الاعتزال وجنوحه إلى منهج أهل الحديث ، كتب رسالة خاصة في استحسان الخوض في الكلام (١) . وبذلك جعل نفسه هدفاً لعتاب
____________________
(١) طبعت الرسالة لأول مرة مع اللمع في بيروت عام ١٩٥٣ م ، ومستقلة في حيدرآباد الدكن في الهند عام ١٣٤٤ هـ وسيوافيك نصها .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

