مشايخ أهل الحديث مثل أحمد بن حنبل ، حتّى جُلِدَ ثلاثين سوطاً لأجل اعتقاده بقدم القرآن الذي يُعَدّ من مبادیء أهل الحديث ، وكان الأمر على هذا المنوال إلى أن تسلم المتوكل مقاليد الحكم ؛ فأمر بنشر منهج أهل الحديث بقوة وحماس ، وتبعه غيره من العباسيين في دعم مقالتهم ، وتضييق الأمر على أهل الاعتزال ، وقد كان الأمر على هذا المنوال إلى عصر أبي الحسن الأشعري ( ٢٦٠ ـ ٣٢٤ هـ ) الذي كان معتزلياً ثم صار ـ بحسب الظاهر ـ من زمرة أهل الحديث ، فكانت السلطة تسايرهم وتوافقهم . وسيوافيك القول في علل رجوعه عن مذهب الاعتزال إلى تيار أهل الحديث وفي مقدمتهم مذهب إمام الحنابلة أحمد بن حنبل .
وقد كوّن الأشعري برجوعه عن الاعتزال إلى مذهب أهل الحديث منهجاً كلامياً ، له أثره الخاص إلى يومنا هذا بين أهل السنّة ، فمذهبه الكلامي هو المذهب السائد بينهم في أكثر الأقطار . ولأجل ذلك يجب علينا أن نتعرّف عليه وعلى آرائه ، فنقول :
نسب الإمام الأشعري
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري .
يقول ابن عساكر في ترجمته : إنّ أباه إسماعيل بن إسحاق كان سنّياً جماعياً حديثياً ، أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي ، وهو إمام في الفقه والحديث ، وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة ، وقد يكنى أبوه بـ « أبي بشر » وربما يقال إنّها كنية جده (١) .
وهذا يعرب عن أنّ البيت الذي تربّى فيه أبو الحسن كان بيت الحديث والرواية ، مقابلاً للمنهج العقلي الرائج بين المعتزلة ، ومن شأن الأبناء أن يرثوا
____________________
(١) « تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري » تأليف ابن عساكر الدمشقي المتوفى عام ٥٧١ هـ وهو كتاب أُفرد للبحث في حياته وسائر ما يتعلق به ، ونعبر عنه بالتبيين اختصاراً .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

