يلاحظ عليه : أنَّ المجيب تصور أن القول بانحصار الخلق بالله سبحانه يستند إلى دليل سمعي قابل للتخصيص كسائر عمومات الكتاب والسنة . ولكن القول به يستند إلى برهان عقلي غير قابل للتخصيص ، وهو أن الممكن في ذاته وفعله قائم بالله سبحانه ، متدلٍّ به ، وليس يملك لنفسه ذاتاً ولا فعلاً . ولا فرق في ذلك بين الأفعال الخارجية والأفعال القلبية ، أعني العزم والجزم فالكل ممكن ، والممكن يحتاج إلى واجب في وجوده وتحققه ، فينتج أن العزم والجزم في وجوده وتحققه محتاج إلى الواجب ومعلول لوجوده .
نعم ، لو كان صاحب المسايرة وأساتذته وتلامذته ممن يفرقون بين الخالق على وجه الإستقلال والخالق على الوجه التبعي لما صعب عليهم المقام .
٦ ـ نظرية ابن الخطيب في تفسير الكسب
« قدرة الله مانعة عن قدرة العبد » .
وإليك نص عبارته : إِنَّ الطاعة والمعصية للعبد من حيث الكسب ، ولا طاعة ولا معصية من حيث الخلق ، والخلق لا يصح أن يضاف إلى العبد ، لأنه إيجاد من عدم ، والفعل موجود بالقدرة القديمة لعموم تعلّق القدرة الحادثة بها (١) .
فالقدرة الحادثة تتعلّق ولا تؤثر ، وهي ـ أي القدرة الحادثة ـ تصلح للتأثير لولا المانع وهو وجود القدرة القديمة ، لأنهما إذا تواردتا لم يكن للقدرة الحادثة تأثير (٢) .
____________________
(١) العبارة لا تخلو عن حزازة ، والصحيح أن يقال : لعموم تعلق القدرة القديمة به أي بالفعل .
(٢) القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب ص ١٨٧ نقلاً عن « الفلسفة والأخلاق » للسان الدين بن الخطيب قال : يرى لسان الدين بن الخطيب أن الكسب فعل يخلقه الله تعالى في العبد كما يخلق القدرة والإرادة والعلم ، فيضاف الفعل إلى الله خلقاً لأنه خالقه ، وإلى العبد كسباً لأنه محله الذي قام به ، ثم نقل العبارة التي نقلناها في المتن .
ولا يخفى أنه لو كان الكسب أيضاً فعلاً مخلوقاً لله سبحانه ، تكون المحاولة المذكورة فاشلة ، إذ عندئذٍ يكون الخلق والكسب كلاهما من جانبه سبحانه فلاحظ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

