التحفظ على الأصول المسلمة العقلية فنقول :
التفسير الصحيح لعموم إرادته
لا شك أنَّ مقتضى التوحيد في الخالقية بالمعنى الذي عرفناك به عند البحث عن « خلق الأعمال » هو كون ما في الوجود مخلوقاً لله سبحانه ، لكن لا بمعنى إنكار العلل والأسباب ، بل بمعنى انتهاء كل الأسباب والمسببات إليه سبحانه ، كانتهاء المعنى الحرفي إلى المعنى الإسمي ، وقيام الممكن بالذات ، بالواجب بالذات .
هذا من جانب ، ومن جانب آخر إن إرادته سبحانه من صفات ذاته ، وإن لم نحقق كنهها لأن الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد ، غير أن الإرادة في الإنسان طارئة حادثة ، وفيه سبحانه ليست كذلك .
فإذا كانت إرادته نفس ذاته ، والذات هي العلة العليا للكون فلا يكون هناك شيء خارج عن حريم إرادته ، فكما تعلقت قدرته بكل شيء ، تعلقت إرادته به ، ولا يكون في صفحة الوجود شيء خارج عن سلطان إرادته .
ولكن وزان عمومية إرادته لكل شيء ، وزان عمومية قدرته لكل شيء ، فكما أن عمومية الثانية لا تسلتزم الجبر ، فهكذا عمومية الإرادة ، وذلك لأن إرادته لم تتعلق بصدور فعل كل شيء عن فاعله على وجه الإلجاء والاضطرار ، بل تعلقها به على قسمين : قسم تعلقت إرادته بصدور الفعل عن فاعله على نحو الاضطرار ، ولكن لا عن شعور ، كالحرارة بالنسبة إلى النار ، أو عن شعور ، ولكن لا عن إرادة واختيار ، كحركة المرتعش . وقسم تعلقت إرادته بصدور الفعل عن فاعله عن اختيار .
فمعنى تعلق إرادته بفعل الإنسان هو تعلق إرادته بكونه فاعلاً مختاراً يفعل ما يشاء في ظل مشيئته سبحانه ، فقد شاء أن يكون مختاراً ، وفي وسعه سبحانه سلب اختياره وإلجاؤه إلى أحد الطرفين من الفعل والترك .
وباختصار : إنه كما تعلقت إرادته بصدور فعل كل فاعل عنه ، كذلك تعلقت إرادته بصدور فعله عن المبادیء الموجودة فيها .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

