وأقدم مصدر يذكر ذلك هو ابن النديم في ( فهرسه ) حيث يقول : « أبو الحسن الأشعري من أهل البصرة ، كان معتزلياً ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن ، في المسجد الجامع بالبصرة ، في يوم الجمعة رقي كرسياً ، ونادى بأعلى صوته : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه نفسي ، أنا فلان بن فلان ، كنت قلت بخلق القرآن ، وإنّ الله لا يرى بالأبصار ، وإنّ أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة ، وخرج بفضائحهم ومعايبهم . وكان فيه دعابة ومزح كبير » (١) .
وقد أوعز إلى إنابة الأشعري عن منهج الاعتزال كثير من علماء التراجم ، غير أنّهم لم يشيروا إلى الحوافز التي دعت الشيخ إلى هذا الانسلاخ ، ولم يخطر ببالهم سبب له سوى انكشاف الخلاف عليه في المذهب الذي كان يتمذهب به من شبابه إلى أوائل كهولته ، ولأجل ذلك يجب التوقف هنا إجمالاً ، حتى نقف على بعض الحوافز الداعية له إلى الإنابة عن الاعتزال .
سبب رجوعه عن الاعتزال
إنّ رجوع الأشعري عن منهج الاعتزال كان ظاهرة روحية تطلب لنفسها علة وسبباً ، ولا يقف عليها مؤرخ العقائد إلّا بالغور في حياته ، وما كان يحيط به من عوامل اجتماعية أو سياسية أو خلقية .
إلّا أنّ قلم الخيال والوهم ، أو قلم العاطفة ، أعطى للموضوع مسرحية خاصة أقرب إلى الجعل والوضع منها إلى الحقيقة ، فنقلوا منامات كثيرة أمر فيها رسول الله ( صلی الله عليه وآله وسلم ) أبا الحسن أن ينصر سنته ، ويرجع عما كان فيه . غير أني أضن بوقت القاریء أن أنقل كل ما جاء به ابن عساكر في ( تبيينه ) في ذلك المجال ، وإنّما أكتفي بنموذج بل نموذجين منه :
١ ـ نقل بسنده عن أحمد بن الحسين المتكلم قال : سمعت بعض أصحابنا يقول : إنّ الشيخ أبا الحسن لما تبحّر في كلام الاعتزال فبلغ غايته ،
____________________
(١) فهرست ابن النديم : ص ٢٧١ ووفيات الأعيان : ج ٣ ص ٢٨٥ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

