وقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية الله وعدله . ويؤمنون بقدره وأمره . ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص ، ويؤمنون بأن العبد يعمل ما يعمل وأن الله خالق كل شيء ، ويؤمنون بأنه تعالى تنزه في قدره عن أن يكون مغلوباً أو عاجزاً ، وتنزه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالماً أو عابثاً . ثم بعد ذلك يصمتون فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة الله ، ونصيبه من قدرة العبد . ولا يتعرضون لبيان مدى ما يبلغ فعل الله في قدره ، ولا لبيان مدى ما يبلغ فعل العبد في أمثال أمره ، ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه ، لأنهم لم يكلفوه ، وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلفهم إياه ، لأنه من أسرار القدر أو يكاد ، والعقل البشري محدود التفكير ضعيف الاستعداد . ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه « وما أوتيتم من العلم إلّا قليلاً » .
|
لم يمتحنّا بما تعيا العقول به |
|
حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم (١) |
١٢ ـ الشيخ شلتوت وأفعال العباد
هـ ـ إنّ الشيخ شلتوت أحد المجتهدين الأحرار في القرن الماضي ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، فإذا شاهد الحق أجهر به ، ولا يطلب رضى أحد ، ولا يخاف غضب آخر ، فهو ممّن اعترف بحرية الإنسان في مجال العمل ، قال :
وقد تناول علماء الكلام في القديم والحديث هذه المسألة ، وعرفت عندهم بمسألة الهدى والضلال ، أو بمسألة الجبر والاختيار ، أو بمسألة خلق الأفعال ، وكان لهم فيها آراء فرقوا بها كلمة المسلمين ، وزلزلوا بها عقائد الموحدين العاملين ، وصرفوا الناس بنقاشهم في المذاهب والآراء عن العمل الذي طلبه الله من عباده ، وأخذوا يتقاذفون فيما بينهم بالإلحاد والزندقة ، والتكفير والتفسيق ، وما كان الله ـ وآياته بينات واضحات ـ ليقيم لهم وزناً فيما وقفوا عنده ، وداروا حوله ، ودفعوا الناس إليه .
____________________
(١) مناهل العرفان في علوم القرآن ، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني : ج ١ ص ٥٠٦ ـ ٥١١ ، والشعر من قصيدة البوصيري في مدح النبي ( ص ) .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

