للإِختيار التام ، بخلاف الثاني فالفاعل فيه فاعل مختار تام وفعله مَجْلىً للإِختيار .
وهذا الحصر الحقيقي الذي يدور بين النفي والإِثبات يجرّنا إلى القول بأنَّ فاعليته سبحانه بأحد الوجوه الأربعة :
إمَّا أن يكون فاعلاً فاقداً للعلم ، أو يكون عالماً فاقداً للإِرادة ، أو يكون عالماً ومريداً ولكن عن كراهة لفعله لأجل إحاطة قدرة قاهرة عليه ، أو يكون عالماً ومريداً راضياً بفعله . وفاعلية الباري سبحانه غير خارجة عن إحدى هذه الوجوه . والثلاثة الأُول غير لائقة بساحته سبحانه فتعيّن كونه فاعلاً مريداً مالكاً لزمام فعله وعمله ، ولا يكون مقهوراً في الإِيجاد والخلق . هذا من جانب .
ومن جانب آخر إنَّ الإِرادة في المراتب الإِمكانية لا تنفك عن الحدوث والتدرّج والانقضاء بعد حصول المراد ، ومن المعلوم إنَّ إجراءها بهذه السِمات على الله سبحانه ، محال لاستلزامه طروء الحدوث على ذاته . فيجب علينا في إجرائها عليه سبحانه حذف هذه الشوائب ، فيكون المراد من إرادته حينئذٍ اختياره وعدم كونه مضطراً في فعله ومجبوراً بقدرة قاهرة .
فلو صح تسمية هذا الإِختيار بالإِرادة فنِعم المراد ، وإلّا وجب القول بكونها من صفات الفعل .
وبعبارة أُخرى : إِنَّ الإِرادة صفة
كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة منقضية بعد حدوث المراد ، وإنما هي صفة كمال لكونها رمز الاختيار وسِمَةَ عدم المَقْهُوريّة حتى إن الفاعل المريد الُمكْرَه له قِسْط من الإِختيار ، حيث
يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقلية فيرجح الفعل على الضرر المتوعد به . فإذا كان الهدف والغاية من توصيف الفاعل بالإِرادة هو إثبات الإِختيار وعدم المقهوريّة فتوصيفه سبحانه بكونه مختاراً غير مقهور في سلطانه ، غير مجبور في إعمال قدرته ، كاف في جري الإِرادة عليه ، لأنَّ المختار واجد لكمال الإِرادة على النحو الأتم والأكمل . وقد مرّ أنه يلزم في إجراء الصفات ترك المبادي والأخذ بجهة الكمال ، فكمال الإِرادة ليس في
![الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل [ ج ١ ] الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3379_alilahiyyat-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

