البرهان الثالث
بُرهانُ حدوث المادة
إِنَّ الأُصول العلمية َأثبَتَتْ نفاد الطاقات الموجودة في الكون باستمرار ، وتَوَجُّهَها إِلى درجةٍ تنطفىءُ معها شعلةُ الحياة وتنتهي بسببه فعالياتُها ونشاطاتُها(١) . وهذا ( نفاد الطاقات وانتهاؤها ) يدل على أَنَّ وصفَ الوجود والتَّحقّق للمادة ليس أَمراً ذاتياً لها ، إذ لو كان الوجود والتحقُّقُ أَمراً ذاتياً لها ، لزم أَنْ لا يفارقها أَزلاً وَأبداً ، فنفادها وزوال هذا الوصف عنها خيرُ دليل على أَنَّ الوجودَ أَمرٌ عرضي للمادة ، غيرُ نابع من صميم ذاتها . ويلزم من ذلك أَنْ
__________________
(١) أثبت العلم بكل وضوح أَنَّ هناك انتقالاً حرارياً مستمراً من الأَجسام الحارة إِلى الأَجسام الباردة ولا يمكن أَنْ يَحْدُثَ العكسُ بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارةُ فترتَدُّ من الأَجسام الباردة إلى الأَجسامِ الحَارة . ومعنى ذلك أنَّ الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأَجسام ويَنْضُبُ فيها مَعينُ الطاقة . ويومئذ لن تكون هنالك عملياتٌ كيميائية أَو طبيعيةٌ ، ولن يكونَ هنالك أَثرٌ للحياة نفسِها في هذا الكون . ولما كانت الحياة لا تزال قائمة ، ولا تزال العمليات الكيميائية والطبيعية تسير في طريقها ، فإننا نستطيع أَنْ نستنتج أَنَّ هذا الكون لا يمكن أَنْ يكون أَزلياً وإِلا لاستهلكت طاقاته منذ زمنٍ بعيدٍ وتوقف كلَّ نشاط في الوجود . وهكذا توصَّلت العلومُ دونَ قصد إِلى أَنَّ لهذا الكونِ بِدايةٌ .
وباختصار : إنّ قوانين الدّيناميكا الحرارية تدلّ على أنَّ مكوناتِ هذا الكونِ تفقد حرارتها تَدريجياً وأنَّها سائرةٌ حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة البالغة الإِنخفاض هي الصّفر المطلق . ويومئذ تنعدمُ الطاقة وتستحيلُ الحياة .
![الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل [ ج ١ ] الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3379_alilahiyyat-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

