كيف ، ورأي المحققين من العلماء أن الجسم لا يؤثر في الجسم » (١) .
هذا هو ما علق به الشهرستاني على كلام إمام الحرمين وآخذه عليه ، وهو غير صحيح . فإنّ المراد من العلية الطبيعية بين الأجسام والمظاهر المادية ، ليس هو الإيجاد والإحداث من كتم العدل ، بل المراد هو تفاعل الأجسام الطبائع ، بعضها مع بعض بإذنه سبحانه ، كانقلاب الماء إلى البخار ، والمواد الأرضية إلى الأزهار والأشجار ، وغير ذلك مما كشف عنه الحس والعلم .
وأمّا الصور الطارئة على الطبائع عند التفاعل والانقلاب كصور الزهر والشجر ، فليست مستندة إلى نفس الطبائع ، بل الطبائع معدات وممهدات لنزول هذه الصور من علل عليا ، كشف عنها الذكر الحكيم عندما صرح بأن لعالم الكون مدبرات يدبرونه بإذنه سبحانه ، قال : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) (٢) .
إنّ كون العبد فاعلاً لفعله ، وعالم الطبائع مؤثراً في آثاره فإنّما هو بمعنى كونهما « ما به الوجود » لا « ما منه الوجود » ، وكم من فرق بين التعبيرين . فمن اعترف بالتأثير فقد اعترف بالمعنى الأول والسببية الناقصة ، لا بالمعنى الثاني أعني إفاضة الوجود والخلق بالمعنى القائم بالله سبحانه ، فإنّ الخلق فيض يبتدیء منه سبحانه ، ويجري في القوابل والقوالب فيتجلى في كل مورد بصورة وشكل ، والإنسان بما أنه مجبول على الاختيار ، يصرف باختياره ما أُفيض عليه في مكان دون مكان وفي صورة دون صورة . نعم ليس لغيره من الطبائع إلّا طريق واحد وتجلٍّ فارد .
وأظن أن الشهرستاني لو وقف على الفرق بين الفاعلين ، لما اعترض على كلام إمام الحرمين ـ بأنه ليس من مذهب الإسلاميين ـ نعم هو ليس من مذاهب الحنابلة والأشاعرة ، وأمّا العدلية بعامة طوائفها فهم قائلون بذلك ، وقد عرفت قضاء القرآن العقل في ذاك المجال .
____________________
(١) المصدر نفسه .
(٢) سورة النازعات : الآية ٥ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

