الصادر الأول من العقول والنفوس والأنوار الملكوتية .
ب ـ أن يتحقق بقدرة مفاضة منه سبحانه إلى العبد ، قائمة بقدرته ، وموجدة بحوله وقوته ، فالفعل مقدور للعبد بلا واسطة ، ومقدور لله سبحانه عن طريق القدرة التي أعطاها له ، وأقدر عبده بها على الفعل ، فيكون الفعل فعل الله من جهة ، وفعل العبد من جهة أُخرى .
وباختصار : إنّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه ، فالجليل والحقير ، والثقيل والخفيف عنده سواسية ، لكن ليس معنى الاستواء هو قيامه تعالى بكل شيء مباشرة وخلع التأثير عن الأسباب والعلل ، بل يعني أنّ الله سبحانه يظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب ، وبعث العلل نحو المسببات والمعاليل ، والكل مخلوق له ، ومظاهر قدرته وحوله ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله .
فالأشعري ، خلع الأسباب والعلل وهي جنود الله سبحانه عن مقام التأثير والإيجاد ، كما أنّ المعتزلي عزل سلطانه عن ملكه وجعل بعضاً منه في سلطان غيره أعني فعل العبد في سلطانه .
والحق الذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب هو كون الفعل موجوداً بقدرتين ، لكن لا بقدرتين متساويتين ، ولا بمنعى علتين تامتين ، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) (١) وقد جرت سنّة الله تعالى على خلق الأشياء بأسبابها ، فجعل لكل شيء سبباً ، وللسبب سبباً ، إلى أن ينتهي إليه سبحانه ، والمجموع من الأسباب الطولية علة واحدة تامة كافية لإيجاد الفعل ، والتفصيل يطلب من محله ، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « أبى الله أن يجري الأشياء إلّا بأسباب ، فجعل لكل شيء سبباً وجعل لكل سبب شرحاً » (٢) .
____________________
(١) سورة المدثر : الآية ٣١ .
(٢) الكافي : ج ١ باب معرفة الإمام ، الحديث ٧ ، ص ١٨٣ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

