والقصد إلى الشيء لا يكون إلّا بعد العلم به يستلزم العلم . ثم إنّ الفاعل لو كان قاصداً للفعل بالتفصيل ، يوجده بالعلم التفصيلي ، ولو كان قاصداً بالإجمال يوجده كذلك . فالفاعل للأكل والتكلم يقصد أصل الفعل على وجه التفصيل ، فيستلزم علم الفاعل به كذلك ـ وفي الوقت نفسه ـ لا يقصد مضغ كل حبة ، أو التكلم بكل حرف وكلمة إلّا إجمالاً ، فيلزمه العلم بهما على وجه الإجمال .
كما أن صانع شربة كيمياوية من عدة عناصر مختلفة ، يقصد إدخال كل عنصر فيها على وجه التفصيل ، فيلزمه العلم به تفصيلاً ، وعلى ذلك يكون أصل العلم وكيفيته من الإجمال والتفصيل ، تابعين لأصل القصد وكيفيته .
الثاني : لو كانت قدرة العبد صالحة للإيجاد فلو اختلفت القدرتان في المتعلق مثل ما إذا أراد الله تعالى تسكين جسم وأراد العبد تحريكه ، فإِمَّا أن يقع المرادان وهو محال ، أو لا يقع واحد منهما ، وهو أيضاً محال لأنه يلزم منه ارتفاع النقيضين ، لأن الجسم لا يخلو من الحركة والسكون ، أو يقع أحدهما دون الآخر ، وهو أيضاً محال ، لأن وقوع أحدهما ليس أولى من وقوع الآخر . لأن الله تعالى وإن كان قادراً على ما لا نهاية له ، والعبد ليس كذلك ، إلّا أن ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرة الله تعالى وقدرة العبد (١) .
يلاحظ عليه : أنَّ هذا الدليل إنّما يجري فيما إذا كانت القدرتان متساويتين كما في البحث عن الإلهين المفروضين ، فأراد أحدهما تحريك الجسم والآخر إيقافه وسكونه ، لا في المقام ؛ أعني إذا كان أحدهما أقوى والآخر أضعف كما في المقام ، ففي مثله يقع مراد الله لكون قدرته أقوى ، إذ المفروض استواؤهما في الاستقلال بالتأثير ، وهو لا ينافي التفاوت بالقوة والشدة (٢) .
والأولى أن يقال : إنّ قدرة الله تعالى في الصورة المفروضة قدرة فعلية تامة في التأثير ، وقدرة العبد قدرة شأنية غير تامة ، وليست صالحة للتأثير ، لأن من
____________________
(١) الأربعون للرازي : ص ٢٣٢ .
(٢) كشف المراد : ص ١٦ ، شرح التجريد للقوشجي : ص ٤٤٧ .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٢ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F42_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-2%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

