إنّما المرارة أن تُعدّ أنت أيضاً في قافلة هذه الشرذمة المعهودة ; إذ قد يصعب على الناس الفرز والتمييز إزاء هذا الكمّ الهائل من المتزلّفين والببغائيّين والحربائيّين والصنميّين ... فلا يبعد أنّهم كانوا ـ أو لازالوا ـ يحسبونك كذلك من اللاهثين المعهودين.
يبقى شيء واحد ، فالأيّام كفيلة بزوال الخلط والوهم والضبابية والتردّد ، وللناس حقّ في ذلك ; فإنّهم إزاء فضاء واحد ، فالتفكيك والتجزئة صعبة جدّاً عليهم.
لست موافقاً لكثير ممّا يقوله الناس بشأننا ، فبعض التقوّلات تصل حدّ الافتراء والكذب والظلم .. غير رافض لبعضها الآخر وإن كان يحمل بين طيّاته قدراً من التضخيم والمبالغة.
والمؤسف حقّاً اعتقادنا بكون الناس لا يدركون ولا يكشفون الحقائق ، متناسين أنّنا من خلال فلتات ألسنتنا ـ وما أكثرها ـ نمنح الحجّة كي يقولوا فينا ما يقولون ; حيث يأخذنا الغرور ـ مثلاً ـ والغطرسة والمباهاة في حالات من الشعور واللاشعور ، فنسرد القصص كي يقفوا على مراتبنا ومكانتنا واعتبارنا وأهمّيّتنا وإنجازاتنا ، سرداً لا تغادره اللذّة والنشوة والكبرياء ، وهذا بحدّ ذاته كاف في تحقّق المطلوب لدى المتصيّدين في الماء العكر. إلى ذلك مظاهر حياتنا وأساليبنا المجافية للاحتياط ، كلّها تمنح الفرص المناسبة للنيل منّا نيلاً قد يكون أحياناً بحقٍّ وإنصاف واُخرى بظلم وإجحاف.
![نفحات الذّات [ ج ٢ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2837_nafahat-alzat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
