تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٤٥

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٤٥

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٩١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٢   الجزء ٣٣   الجزء ٣٤   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ومن الحوادث سنة إحدى وعشرين وستّمائة

استرداد الأشرف خلاط

فيها استردّ الأشرف خلاط من أخيه شهاب الدّين غازي ، وأبقى عليه ميّافارقين (١).

ظهور السلطان جلال الدين

وفيها ظهر السّلطان جلال الدّين ابن خوارزم شاه ـ بعد ما انفصل عن بلاد الهند وكرمان ـ على أذربيجان ، وحكم عليها ، وراسله الملك المعظّم ليعينه على قتال أخيه الأشرف ، وكتب المعظّم إلى صاحب إربل في هذا المعنى ، وبعث ولده النّاصر داود إليه رهينة (٢).

استيلاء لؤلؤ على الموصل

وفيها استولى بدر الدّين لؤلؤ على الموصل ، وأظهر أنّ محمود ابن الملك القاهر قد توفّي ، وكان قد أمر بخنقه (٣).

__________________

(١) الخبر في : ذيل الروضتين ١٤٢ ، والكامل في التاريخ ١٢ / ٤٢١ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٣٨ ـ ١٣٩ ، وزبدة الحلب ٣ / ١٩٥ ـ ١٩٦ ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٤ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠٤ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٣٩٩.

(٢) انظر خبر (جلال الدين) في : ذيل الروضتين ١٤٢ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٢ ، وسير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٤١ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠٤.

(٣) انظر خبر (لؤلؤ) في : ذيل الروضتين ١٤٢ ، وسير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٤١ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١١٧ ، ومرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٦٣٢.

٥

بناء الكاملية

وفيها بنيت دار الحديث الكامليّة بين القصرين ، وجعل أبو الخطّاب ابن دحية شيخها (١).

قدوم الأقسيس من اليمن

وفيها قدم الملك المسعود أقسيس على أبيه الكامل ، من اليمن ، طامعا في أخذ الشّام من عمّه المعظّم. وقدّم لأبيه أشياء عظيمة منها : ثلاثة فيلة ، ومائتا خادم (٢).

عودة التتار من القفجاق

قال ابن الأثير (٣) : وفيها عادت التّتار من بلاد القفجاق ، ووصلت إلى الرّيّ ، وكان من سلم من أهله قد عمّروها ، فلم يشعروا إلّا بالتّتر بغتة ، فوضعوا فيهم السّيف ، وسبوا ، ونهبوا ، وساروا إلى ساوة ، ففعلوا بها كذلك ، ثمّ ساروا إلى قمّ وقاشان ، وكانت عامرة ، فأخذوها ، ثمّ وصلوا إلى همذان فقتلوا أهلها ، ثمّ ساروا إلى تبريز ، فوقع بينهم وبين الخوارزميّة مصافّ (٤).

استيلاء غياث الدين على شيراز

وفيها سار غياث الدّين محمد بن السّلطان علاء الدّين محمد خوارزم شاه إلى بلاد فارس ، فلم يشعر صاحبها أتابك سعد إلّا بوصوله ، فلم يتمكّن من الامتناع ، واحتمى بقلعة إصطخر ، فملك غياث الدّين شيراز بلا تعب ، وأقام بها ، واستولى على أكثر بلاد فارس ، وبقي لسعد بعض الحصون ،

__________________

(١) انظر خبر (الكاملية) في : ذيل الروضتين ١٤٢ ، وسير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٤١ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠٤.

(٢) انظر خبر (الأقسيس) في : ذيل الروضتين ١٤٢ ، وفيه : «أطسيس» ، ومرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٦٣٣ ، وسير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٤١.

(٣) في الكامل ١٢ / ٤١٩ ـ ٤٢٠.

(٤) وانظر خبر (عودة التتار) في : المختصر لأبي الفداء ٣ / ١٣٣ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ١٤٥ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٢ وفيه تصحّفت «تبريز» إلى «تورين» ، وتاريخ ابن سباط ١ / ٢٨٣ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١١٨ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٣٩٨ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠٣ ، والسلوك ج ١ ق ١ / ٢١٥.

٦

وتصالحا على ذلك (١).

تملّك امرأة على الكرج

وفيها أو قبلها بيسير جرت واقعة قبيحة ، وهي أنّ الكرج ـ لعنهم الله تعالى ـ لم يبق فيهم من بيت الملك أحد سوى امرأة ، فملّكوها عليهم.

قال ابن الأثير (٢) : طلبوا لها رجلا يتزوّجها ، وينوب عنها في الملك ، ويكون من بيت مملكة. وكان صاحب أرزن الرّوم مغيث الدّين طغريل شاه ابن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان ، وهو من الملوك السّلجوقية ، وله ولد كبير ، فأرسل إلى الكرج يخطب الملكة لولده ، فامتنعوا ، وقالوا : لا يملكنا مسلم ، فقال لهم : إنّ ابني يتنصّر ويتزوّجها ، فأجابوه ، فتنصّر ، وتزوّج بها ، وأقام عندها حاكما في بلادهم ، نعوذ بالله من الخذلان. وكانت تهوى مملوكا لها ، وكان هذا الزّوج يسمع عنها القبائح ، ولا يمكنه الكلام لعجزه ، فدخل يوما ، فرآها مع المملوك ، فأنكر ذلك ، فقالت : إن رضيت بهذا ، وإلّا أنت أخبر ، ثمّ نقلته إلى بلد ، ووكّلت به ، وحجرت عليه. وأحضرت رجلين وصفا لها بحسن الصورة فتزوّجت أحدهما ، وبقي معها يسيرا ، ثمّ فارقته ، وأحضرت آخر من كنجة (٣) وهو مسلم ، فطلبت منه أن يتنصّر ليتزوّجها ، فلم يفعل ، فأرادت أن تتزوّجه ، فقام عليها الأمراء ومعهم إيواني مقدّمهم ، فقالوا لها : فضحتنا بين الملوك بما تفعلين. قال : والأمر بينهم متردّد ، والرجل الكنجيّ عندهم ، وهي تهواه (٤).

__________________

(١) خبر (غياث الدين) في : الكامل في التاريخ ١٢ / ٤٢٠ ـ ٤٢١ ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٤ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ١٤٥ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٣٦ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١١٨ ، وسير أعلام النبلاء ٢٢ / ٢٤٢ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠٣ ـ ١٠٤ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٣٩٩ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٢.

(٢) في الكامل ١٢ / ٤١٦ ـ ٤١٧ (حوادث سنة ٦٢٠ ه‍ ـ).

(٣) يقال لها «كنجة» و «جنزة» ، وهي قصبة بلاد أرّان.

(٤) انظر الخبر باختصار في : دول الإسلام ٢ / ١٢٦.

٧

سنة اثنتين وعشرين وستّمائة

إيقاع جلال الدّين بالكرج

في ربيع الأوّل وصل السّلطان جلال الدّين إلى دقوقا ، فافتتحها بالسّيف ، وسبى ، ونهب ، وفعل مثل ما تفعل الكفّار ، وأحرق البلد ، لكونهم شتموه ، ولعنوه على الأسوار ، ثمّ عزم على قصد بغداد ، فانزعج الخليفة ، ونصب المجانيق ، وحصّن بغداد ، وفرّق العدد والأهراء ، وأنفق ألف ألف دينار (١).

قال أبو المظفّر (٢) : قال لي الملك المعظّم : كتب إليّ جلال الدّين يقول : تحضر أنت ومن عاهدني واتّفق معي حتّى نقصد الخليفة ، فإنّه كان السّبب في هلاك أبي ، وفي مجيء الكفّار إلى البلاد ، وجدنا كتبه إلى الخطا وتواقيعه لهم بالبلاد ، والخلع ، والخيل. قال المعظّم : فكتبت إليه ، أنا معك على كلّ حال ، إلّا على الخليفة ، فإنّه إمام المسلمين. قال : فبينا هو على قصد بغداد ـ وكان قد جهّز جيشا إلى الكرج إلى تفليس ـ فكتبوا إليه : أدركنا ، فما لنا بالكرج طاقة ، فسار إليهم ، وخرج إليه الكرج ، فعمل معهم مصافا ، فظفر بهم ، فقتل منهم سبعين ألفا ، قاله أبو شامة (٣) ، وأخذ تفليس بالسّيف ، وقتل بها ثلاثين (٤) ألفا أيضا ، وذلك في سلخ ذي الحجّة.

__________________

(١) في مرآة الزمان : «وفرق في العساكر ألف دينار»! ووقع في : المختار من تاريخ ابن الجزري ص ١١٩ : «وفرض على العساكر ألف ألف دينار» وهو غلط ، والصواب : «فرّق».

(٢) في مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٦٣٤.

(٣) في ذيل الروضتين ١٤٤ وما قاله أبو شامة هو ما قاله سبط ابن الجوزي في مرآته حيث ينقل عنه.

(٤) جاء في الكامل لابن الأثير ١٢ / ٤٣٥ : «فالذي تحقّقناه أنه قتل منهم عشرون ألفا ، وقيل أكثر من ذلك». وانظر المختار من تاريخ ابن الجزري ١٢١ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠٥ ،

٨

ملك جلال الدّين مراغة

وقال ابن الأثير (١) : سار جلال الدّين من دقوقا فقصد مراغة فملكها ، وأقام بها ، وأعجبته ، وشرع في عمارتها ، فأتاه الخبر أن إيغان طائي (٢) ، خال أخيه غياث الدّين ، قد جمع عسكرا نحو خمسين ألفا (٣) ، ونهب بعض أذربيجان ، وسار إلى البحر من بلاد أرّان فشتّى هناك ، فلمّا عاد ، نهب أذربيجان مرّة ثانية ، وسار إلى همذان بمراسلة الخليفة ، وإقطاعه إياها. فسمع جلال الدّين بذلك فسار جريدة (٤) ، ودهمه ، فبيّته في اللّيل ، وهو نازل في غنائم كثيرة ، ومواشي أخذها من أذربيجان ، فأحاط بالغنائم ، وطلع الضّوء ، فرأى جيش إيغان السّلطان جلال الدّين والچتر (٥) على رأسه ، فسقط في أيديهم ، وأرعبوا.

فأرسل إيغان زوجته وهي أخت جلال الدّين تطلب لزوجها الأمان ، فأمّنه ، وحضر إليه ، وانضاف عسكره إلى جلال الدّين ، وبقي إيغان وحده ، إلى أن أضاف إليه جلال الدّين عسكرا غير عسكره ، وعاد إلى مراغة (٦).

ملك جلال الدّين تبريز

وكان أوزبك (٧) بن البهلوان صاحب أذربيجان قد سار من تبريز إلى كنجة

__________________

= والعسجد المسبوك ٢ / ٤٠٥.

(١) في الكامل ١٢ / ٤٣٢ وما بعدها.

(٢) هكذا في الأصل ، وفي المطبوع من «الكامل» : «طائيسي» ومثله في «المختار من تاريخ ابن الجزري» بخط المؤلّف ـ رحمه‌الله ـ ، وفي مفرّج الكروب ٤ / ١٤٨ : «طايسي» ، وفي العسجد المسبوك ٢ / ٤٠٣ : «طانسي».

(٣) وقع في المطبوع من الكامل : «خمسة آلاف».

(٤) الجريدة : جيش من الخيالة لا رجالة فيهم.

(٥) الچتر : مظلة أو قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب على أعلاها طائر من فضة ، كان يحمل على رأس السلطان في المناسبات ، ومنها الخروج لصلاة العيدين (انظر صبح الأعشى : ٤ / ٧ ـ ٨).

(٦) انظر خبر (مراغة) أيضا في : المختار من تاريخ ابن الجزري ١١٩ ـ ١٢٠ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٤٨ ـ ١٤٩ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٠٣.

(٧) في المختصر لأبي الفداء : «أزبك» ، ومثله في مفرّج الكروب.

٩

خوفا من جلال الدّين ، فأرسل جلال الدّين إلى الكبار بتبريز يطلب منهم أن يتردّد عسكره إليهم ، ليمتاروا ، فأجابوه إلى ذلك. فتردّد العسكر ، وباعوا ، واشتروا ، ثمّ مدّوا أعينهم إلى أموال النّاس ، فصاروا يأخذون الشّيء بأبخس ثمن ، فأرسل جلال الدّين لذلك شحنة (١) إلى تبريز. وكانت زوجة أوزبك ابنة السّلطان طغرل بن أرسلان شاه بن محمد بن ملك شاه ، مقيمة بالبلد ، وكانت الحاكمة في بلاد زوجها ، وهو منهمك في اللّذّات والخمور ، ثمّ شكى أهل تبريز من الشّحنة فأنصفهم جلال الدّين منه ، ثمّ قدم تبريز ، فلم يمكّنوه من دخولها ، فحاصرها خمسة أيّام ، وقاتله أهلها أشدّ قتال ، ثمّ طلبوا الأمان ، وكان جلال الدّين يذمّهم ويقول : هؤلاء قتلوا أصحابنا المسلمين ، وبعثوا برءوسهم إلى التّتار ، فلهذا خافوا منه ، فلمّا طلبوا الأمان ، ذكر لهم فعلهم هذا ، فاعتذروا بأنّه إنّما فعل ذلك ملكهم ، فقبل عذرهم ، وآمنهم ، وأخذ البلد ، وآمن ابنة طغرل ، وذلك في رجب. وبعث ابنة طغريل إلى خويّ مخفرة محترمة ، وبثّ العدل في تبريز ، ونزل يوم الجمعة إلى الجامع ، فلمّا دعا الخطيب للخليفة ، قام قائما حتّى فرغ من الدّعاء. ثمّ سيّر جيشا إلى بلاد الكرج ـ لعنهم الله ـ ثمّ سار هو وعمل معهم مصافّا هائلا.

قال ابن الأثير (٢) : فالّذي تحقّقناه أنّه قتل من الكرج عشرون ألفا ، وانهزم مقدّمهم إيواني.

وجهّز جلال الدّين عسكرا لحصار القلعة الّتي لجأ إليها إيواني ، وفرّق باقي جيوشه في بلاد الكرج ، يقتلون ، ويسبون ، مع أخيه غياث الدّين. ثمّ تزوّج جلال الدّين بابنة السّلطان طغريل ، لأنّه ثبت عنده أنّ أزبك حلف بطلاقها على أمر وفعله. وأقام بتبريز مدّة ، وجهّز جيشا إلى كنجة ، فأخذوها ، وتحصّن أزبك بقلعتها ، ثمّ أرسل يخضع لجلال الدّين ، ففتر عنه (٣).

__________________

(١) الشحنة : هو بمثابة المحافظ أو الحاكم العسكري.

(٢) في الكامل ١٢ / ٤٣٥.

(٣) وانظر خبر (تبريز) أيضا في : مفرّج الكروب ٤ / ١٤٩ ـ ١٥٥ ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٥ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٠ ـ ١٢١ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

١٠

وفاة الناصر لدين الله

وفي سلخ رمضان توفّي النّاصر لدين الله (١).

بيعة الظاهر بأمر الله

قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ (٢) : وفيها حججت راكبا في المحمل السّلطانيّ المعظّميّ ، فجاءنا الخبر بموت الخليفة بعرفة ، فلمّا دخلنا للطّواف ، إذا الكعبة قد ألبست كسوة الخليفة ، فوجدت اسم النّاصر في الطّراز في جانبين ، واسم الخليفة الظّاهر في جانبين (٣).

وهو أبو نصر محمد ، بويع بالخلافة وكان جميلا ، أبيض مشربا حمرة ، حلو الشّمائل ، شديد القوى ، بويع وهو ابن اثنتين وخمسين سنة ، فقيل له : ألا تتفسّح؟ قال : قد لقس (٤) الزّرع ، فقيل : يبارك الله في عمرك ، قال : من فتح دكّانا بعد العصر أيش يكسب؟ ثمّ إنّه أحسن إلى الرّعيّة ، وأبطل المكوس ، وأزال المظالم ، وفرّق الأموال. وغسّل النّاصر محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ ، وصلّى عليه ولده الظّاهر بأمر الله بعد أن بويع بالخلافة.

قال ابن السّاعي (٥) : بايعه أولا أهله وأقاربه من أولاد الخلفاء ، ثمّ مؤيّد الدّين محمد بن محمد القمّيّ نائب الوزارة ، وعضد الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك أستاذ الدّار ، وقاضي القضاة محيي الدّين بن فضلان الشّافعيّ ، والنّقيب الطّاهر قوام الدّين الحسن بن معدّ الموسويّ ، ثمّ بويع يوم عيد الفطر البيعة العامّة ، وجلس بثياب بيض ، وعليه الطّرحة وعلى كتفه بردة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في

__________________

(١) انظر ترجمته ومصادرها في الوفيات برقم (٦٧).

(٢) قول سبط الجوزي ليس في المطبوع من مرآة الزمان ، وهو في : ذيل الروضتين ١٤٤ ـ ١٤٥.

(٣) زاد أبو شامة نقلا عن السبط : «فعلمت أنهم كانوا قد فرغوا من نسج الجانبين عند وفاة الناصر ، ثم استأنفوا ما بقي باسم الظاهر» ص ١٤٥.

(٤) يقال : لقست نفسه : إذا غثت وخبثت.

(٥) هو تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب خازن كتب المدرسة المستنصرية المتوفى سنة ٦٧٤ ه‍ ـ ، له كتاب مشهور على السنين لم يصل إلينا ، ذكره الإربلي في خلاصة الذهب ٢٨٢ فقال إن ابن الساعي جمع كتابا في مناقب وفضائل الإمام الناصر في خمس مجلّدات سمّاه «الروض الناضر في أخبار الإمام الناصر».

١١

شبّاك القبّة الّتي بالتّاج (١) ، فكان الوزير قائما بين يدي الشّبّاك على منبر ، وأستاذ الدّار دونه بمرقاة ، وهو الّذي يأخذ البيعة على النّاس ، ولفظ المبايعة : «أبايع سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام ، أبا نصر محمّدا الظّاهر بأمر الله على كتاب الله ، وسنّة نبيّه ، واجتهاد أمير المؤمنين ، وأن لا خليفة سواه».

ولمّا أسبلت السّتارة ، توجّه الوزير وأرباب الدّولة ، وجلسوا للعزاء ، ووعظ محيي الدّين ابن الجوزيّ ، ثمّ دعا الخطيب أبو طالب الحسين ابن المهتدي بالله (٢).

قضاء القضاة ببغداد

وبعد أيّام عزل ابن فضلان عن قضاء القضاة ، وولّي أبو صالح نصر بن عبد الرّزّاق ابن الشّيخ عبد القادر ، وخلع عليه (٣).

اشتداد الغلاء بالموصل والجزيرة

قال ابن الأثير (٤) : فيها اشتدّ الغلاء بالموصل والجزيرة جميعها ، فأكل النّاس الميتة والسّنانير والكلاب ، ففقد الكلاب والسّنانير. ولقد دخلت يوما إلى داري ، فرأيت الجواري يقطّعن اللّحم ، فرأيت حواليه اثني عشر سنّورا ، ورأيت اللّحم في هذا الغلاء في الدّار وليس عنده من يحفظه من السّنانير لعدمها ، وليس بين المدّتين كثير. ومع هذا فكانت الأمطار متتابعة إلى آخر الربيع ، وكلّما جاء المطر غلت الأسعار ، وهذا ما لم يسمع بمثله. إلى أن قال : واشتدّ الوباء ، وكثر الموت والمرض ، فكان يحمل على النّعش الواحد عدّة من الموتى (٥).

__________________

(١) التاج : قصر مشهور بدار الخلافة ببغداد ، كان أول من وضع أساسه ، وسمّاه بهذه التسمية الخليفة المعتضد ، ولم يتم في أيامه ، فأتمّه ابنه المكتفي ، وجرت عليه تطورات ذكرها ياقوت مفصلة في «معجم البلدان». والقبة المشار إليها هي التي كان يجلس فيها الخلفاء للمبايعة في شباك كبير إلى صحن كبير يجتمع فيه الناس لذلك.

(٢) انظر خبر (البيعة) أيضا في : المختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٣ ـ ١٢٤.

(٣) المختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٤.

(٤) في «الكامل» : ١٢ / ٤٤٧ ـ ٤٤٨.

(٥) الخبر أيضا في : العسجد المسبوك ٢ / ٤١٣.

١٢

سنة ثلاث وعشرين وستّمائة

وصول الخلع من الظاهر بأمر الله إلى أولاد العادل بمصر

فيها قدم محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ بالخلع والتّقاليد من الظّاهر بأمر الله إلى المعظّم ، والكامل ، والأشرف.

قال أبو المظفّر سبط الجوزي (١) : قال لي المعظّم : قال لي خالك : المصلحة رجوعك عن هذا الخارجيّ ـ يعني جلال الدّين ـ إلى إخوتك ، ونصلح بينكم. وكان المعظّم قد بعث مملوكه أيدكين إلى السّلطان جلال الدّين ، فرحّله من تفليس وأنزله على خلاط ، والأشرف حينئذ بحرّان ، قال : فقلت لخالك : إذا رجعت عن جلال الدّين ، وقصدني إخوتي تنجدوني؟ قال : نعم. قلت : ما لكم عادة تنجدون أحدا ، هذه كتب الخليفة عندنا ونحن على دمياط ، ونحن نكتب إليه نستصرخ به ونقول : أنجدونا ، فيجيء الجواب بأن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة ، ولم يفعلوا. وقد اتّفق إخوتي عليّ ، وقد أنزلت الخوارزميّ على خلاط ، إن قصدني الأشرف منعه الخوارزميّ ، وإن قصدني الكامل كان فيّ له.

تقديم الأشرف الطاعة للمعظّم

وفيها قدم الأشرف دمشق ، وأطاع المعظّم ، وسأله أن يسأل جلال الدّين أن يرحل عن خلاط ، وكان قد أقام عليها أربعين يوما ، فبعث المعظّم ، فرحل

__________________

(١) لا يوجد سوى خبر مقتضب في المطبوع من مرآة الزمان ، وهو في : ذيل الروضتين ١٤٧ ـ ١٤٨ ، وتاريخ ابن سباط ١ / ٢٨٧ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٧٥ ، ونهاية الأرب ٢٩ / ١٣٥ ـ ١٣٦.

١٣

الخوارزميّ عن خلاط. وكان المعظّم يلبس خلعة الخوارزميّ ، ويركب فرسه ، وإذا حادث الأشرف ، حلف برأس خوارزم شاه جلال الدّين ، فيتألّم الأشرف (١).

سفر خال ابن الجوزي إلى الكامل في مصر

وتوجّه خالي إلى الملك الكامل (٢).

عصيان نائب كرمان على جلال الدّين

وقال ابن الأثير (٣) : في جمادى الآخر جاء جلال الدّين الخبر أن نائبة بكرمان قد عصى عليه ، وطمع في تملّك ناحيته ، لاشتغال السّلطان بحرب الكرج وبعده ، فسار السّلطان جلال الدّين يطوي الأرض إلى كرمان ، وقدّم بين يديه رسولا إلى متولّي كرمان بالخلع ليطمّنه ، فلمّا جاءه الرسول ، علم أنّ ذلك مكيدة لخبرته بجلال الدّين ، فتحوّل إلى قلعة منيعة ، وتحصّن ، وأرسل يقول : أنا العبد المملوك ، ولمّا سمعت بمسيرك إلى البلاد أخليتها لك ، ولو علمت أنّك تبقي عليّ ، لحضرت إلى الخدمة. فلمّا عرف جلال الدّين ، علم أنّه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون ، لأنّه يحتاج إلى تعب وحصار ، فنزل بقرب أصبهان ، وأرسل إليه الخلع ، وأقرّه على ولايته. فبينما هو كذلك ، إذ وصل الخبر من تفليس بأنّ عسكر الأشرف الّذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره ، فساق كعادته يطوي المراحل حتّى نازل مدينة منازكرد في آخر السّنة ، ثمّ رحل من جمعته ، فنازل خلاط ، فقاتل أهلها قتالا شديدا ، ووصل عسكره إلى السور ، وقتل خلق من الفريقين ، ثمّ زحف ثانيا وثالثا ، وعظمت نكاية عسكره في أهل خلاط ، ودخلوا الرّبض ، وشرعوا في السّبي والنّهب ، فلمّا رأى ذلك أهل خلاط تناخوا ، وأخرجوهم ، ثمّ أقام يحاصرها ، حتّى كثر البرد والثّلج ، فرحل عند ما بلغه إفساد التّركمان في بلاد أذربيجان ، وجدّ في السّير ، فلم

__________________

(١) الخبر في : ذيل الروضتين ١٤٨ ، وانظر : المختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٦ ، وزبدة الحلب ٣ / ١٩٨ ـ ١٩٩ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٧٩ ـ ١٨٠ ، ونهاية الأرب ٢٩ / ١٣٧.

(٢) الخبر في : ذيل الروضتين ١٤٨ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٧٦.

(٣) في «الكامل» : ١٢ / ٤٥٤ ـ ٤٥٥.

١٤

يرعهم إلّا والجيوش قد أحاطت بهم ، فأخذتهم السّيوف ، وكثر فيهم النّهب والسّبي (١).

أخذ ملك الروم عدّة حصون لصاحب آمد

وفي شعبان سار علاء الدّين كيقباذ ملك الرّوم ، فأخذ عدّة حصون للملك المسعود صاحب آمد (٢).

موت ملك الأرمن

وفيها جمع البرنس صاحب أنطاكية جموعه ، وقصد الأرمن ، فمات ملك الأرمن قبل وصوله ، ولم يخلف ولدا ذكرا ، فملّك الأرمن بنته عليهم ، وزوّجوها بابن البرنس ، وسكن عندهم ، ثمّ ندمت الأرمن ، وخافوا أن تستولي الفرنج على قلاعهم وبلادهم ، فقبضوا على ابن البرنس وسجنوه ، فسار أبوه لحربهم ، فلم يحصل له غرض فرجع (٣).

الأرنبة العجيبة

قال ابن الأثير (٤) : وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا ولها أنثيان وذكر ، وله فرج أنثى ، فلمّا شقّوا بطنه رأوا فيه جروين (٥) ، سمعت هذا منه ومن جماعة

__________________

(١) انظر الخبر باختصار في : المختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٦ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٨ ـ ١٢٩ ، وزبدة الحلب ٣ / ١٩٩ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٨٦ ـ ١٨٨ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤١٨.

(٢) خبر (ملك الروم) في : الكامل ١٢ / ٤٥٨ ـ ٤٥٩ ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٧ ، ومفرّج الكروب ٤ / ٢٠٢ ـ ٢٠٤ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٩ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٢ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢١.

(٣) انظر خبر (الأرمن) في : الكامل ١٢ / ٤٦٤ ـ ٤٦٥ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٩ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١١٢.

(٤) في الكامل ١٢ / ٤٦٧.

(٥) هكذا في الأصل ، وقد كتب المؤلّف على هامش الأصل : «خ : خرقين». وفي المطبوع من الكامل : «حريفين» ، ومثله في : المختار من تاريخ ابن الجزري بخط المؤلّف ـ رحمه‌الله ـ. وفي تاريخ ابن سباط : «في بطنها جوفان» ، وفي تاريخ الخميس : «جروان» وهو الأشبه ، كما في : دول الإسلام ٢ / ١٢٨.

١٥

كانوا معه ، وقالوا : ما زلنا نسمع أن الأرنب تكون سنة ذكرا ، وسنة أنثى ، ولا نصدّق ، فلمّا رأينا هذا ، علمنا أنّه قد حمل وهو أنثى ، وانقضت السّنة فصار ذكرا ، ويحتمل أن يكون خنثى (١).

تحوّل بنت إلى رجل

قال ابن الأثير (٢) : وكنت بالجزيرة ولنا جار له بنت ، اسمها صفيّة ، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة ، وإذا قد طلع لها ذكر رجل ، ونبتت لحيته ، فكان له فرج امرأة وذكر رجل (٣).

غنم مرّ

قال : وفيها ذبح إنسان بالموصل رأس غنم ، فإذا لحمه ورأسه ومعلاقه مرّ (٤) شديد المرارة ، وهذا شيء لم يسمع بمثله (٥).

زلزلة الموصل وشهرزور

وفي ذي الحجّة زلزلت الموصل ، وغيرها ، وخرب أكثر شهرزور ، لا سيما القلعة ، فإنّها أجحفت بها ، وبقيت الزّلزلة تتردّد عليهم نيفا وثلاثين يوما ، وخرب أكثر قرى تلك النّاحية (٦).

__________________

(١) وانظر خبر (الأرنبة) في : المختار من تاريخ ابن الجزري ١٢٩ ـ ١٣٠ ، وتاريخ الخميس ١٢ / ٤١٢ ـ ٤١٣ ، وتاريخ ابن سباط ٢٨٧ ـ ٢٨٨ ، ودول الإسلام ٢ / ١٢٨ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤ وفيه : «حريفين» مثل الكامل : «خمسة آلاف».

(٢) في الكامل ١٢ / ٤٦٧.

(٣) انظر الخبر أيضا في : المختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٠ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤.

(٤) في الأصل : «مرا» ، وهو غلط.

(٥) الخبر في : الكامل ١٢ / ٤٦٧ وقد أضاف : «وأكارعه» ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٠ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١١٤.

(٦) انظر خبر (الزلزلة) في : الكامل ١٢ / ٤٦٧ ، ودول الإسلام ٢ / ١٢٨ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٠ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٣ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١١٤ ، وكشف الصلصلة للسيوطي ١٩٨.

١٦

انخساف القمر

وفي هذه السّنة انخسف القمر مرّتين (١).

برد ماء عين القيّارة

وفيها برد ماء عين القيّارة (٢) حتّى كان السّابح يجد البرد ، فتركوها ، وهي معروفة بحرارة الماء ، بحيث إنّ السّابح فيها يجد الكرب. وكان بردها في هذه السّنة من العجائب (٣).

كثرة الحيوانات

وفيها كثرت الذّئاب ، والخنازير ، والحيّات ، وقتل كثير منها (٤).

القحط والجراد بالموصل

وفيها كان قحط وجراد كثير بالموصل.

وجاء برد كبار أفسد الزّرع والمواشي ، قيل : كان وزن البردة مائتي درهم ، وقيل : رطلا بالموصليّ (٥).

وفاة الظاهر بأمر الله

وفي رجب توفّي أمير المؤمنين الظّاهر بأمر الله ، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفا (٦).

__________________

(١) انظر خبر (الخسوف) في : الكامل ١٢ / ٤٦٦ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٠ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٣.

(٢) عين القيّارة : تحت الموصل ، وماؤها معدنيّ حارّ ، يستحمّ فيه الناس للشفاء من أمراض المفاصل حتى الآن. (معجم البلدان ٤ / ٤١٩).

(٣) الخبر في : الكامل ١٢ / ٤٦٦ ، المختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٠ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤.

(٤) خبر (الحيوانات) في : الكامل ١٢ / ٤٦٦ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٠ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤٢٤.

(٥) خبر (القحط والبرد) في : الكامل ١٢ / ٤٦٦ ، والمختار من تاريخ ابن الجزري ١٣١.

(٦) ستأتي ترجمة الظاهر بأمر الله ومصادرها في الوفيات برقم (٢٠٠).

١٧

بيعة المستنصر بالله

وبويع ابنه الأكبر أبو جعفر المستنصر بالله ، فبايعه جميع إخوته وبنو عمّه.

قال ابن السّاعي : حضرت بيعته العامّة ، فلمّا رفعت السّتارة ، شاهدته وقد كمّل الله صورته ومعناه ، وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون سنة ، وكان أبيض مشربا حمرة ، أزجّ الحاجبين ، أدعج العينين ، سهل الخدّين ، أقنى ، رحب الصدر ، عليه قميص (١) أبيض ، وبقيار (٢) أبيض مسكّن (٣) ، وعليه طرحة قصب بيضاء ، ولم يزل جالسا إلى أن أذّن الظّهر ، ثمّ جلس كذلك يوم الأحد ويوم الإثنين ، وأحضر بين يدي الشبّاك شمس الدّين أحمد ابن النّاقد ، وقاضي القضاة أبو صالح الجيليّ ، فرقيا المنبر ، فقال الوزير مؤيّد الدّين القمّي لقاضي القضاة : أمير المؤمنين قد وكّل أبا الأزهر أحمد هذا وكالة جامعة في كلّ ما يتجدّد من بيع وإقرار وعتق وابتياع.

فقال القاضي : أهكذا يا أمير المؤمنين؟ فقال : نعم ، فقال القاضي :

ولّيتني يا أمير المؤمنين ما ولّاني والدك رحمة الله عليه؟ فقال : نعم ، ولّيتك ما ولّاك والدي. فنزلا ، وأثبت القاضي الوكالة بعلمه.

رسليّة ابن الأثير

وفي شعبان قدم الصّاحب ضياء الدّين نصر الله ابن الأثير (٤) رسولا عن صاحب الموصل بدر الدّين ، فأورد الرسالة وهذه نسختها :

«ما للّيل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما ، وما للشّمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما.

فيا وحشة الدّنيا وكانت أنيسة

ووحدة من فيها لمصرع واحد

وهو سيّدنا ، ومولانا ، الإمام الظّاهر أمير المؤمنين ، الّذي جعلت ولايته

__________________

(١) في تاريخ الخميس ٢ / ٤١٣ : «عليه ثوب».

(٢) في تاريخ الخميس ٢ / ٤١٣ : «ومئزر».

(٣) هذا اللفظ ليس في تاريخ الخميس.

(٤) هو صاحب كتاب «المثل السائر» ، وغيره. توفي سنة ٦٣٧ ه‍.

١٨

رحمة للعالمين ، واختير من أرومة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الّذي هو سيّد ولد آدم» ، ثمّ ذكر فصلا (١).

قال ابن السّاعي : وخلعت الخلع ، فبلغني أنّ عدّتها ثلاثة آلاف خلعة وخمسمائة ونيّف وسبعون خلعة ، وركب الخليفة ظاهرا لصلاة الجمعة بجامع القصر ، وركب ظاهرا يوم الإثنين الآتي في دجلة بأبّهة الخلافة ، ثمّ ركب والنّاس كافّة مشاة ، ووراءه الشّمسة (٢) ، والألوية المذهّبة ، والقصع تضرب وراء السّلاحيّة ، فقصد السرادق الّذي ضرب له ، ونزله به ساعة ، ثمّ ركب وعاد في طريقه (٣).

كسر جلال الدّين للكرج

وفيها التقى جلال الدّين ملك الخوارزميّة الكرج ، وكانوا في جمع عظيم إلى الغاية ، فكسرهم ، وأمر عسكره ، أن لا يبقوا على أحد ، فتتبّعوا المنهزمين ، ولم يزالوا يستقصون في طلب الكرج إلى أن كادوا يفنونهم. ثمّ نازل تفليس وأخذها عنوة ، وكانت دار ملك الكرج ، وقد أخذوها من المسلمين من سنة خمس عشرة وخمسمائة ، وخرّبوا البلاد ، وقهروا العباد ، فاستأصلهم الله في هذا الوقت ، «ولكلّ أجل كتاب» (٤).

__________________

(١) النص في المختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٥ ، ومفرّج الكروب ٤ / ١٩٨.

(٢) الشمسة : المظلّة التي يحتمي بها من الشمس.

(٣) انظر الخبر أيضا في : المختار من تاريخ ابن الجزري ١٣٥ ـ ١٣٦ ، وتاريخ الخميس ٢ / ٤١٣.

(٤) انظر : المختصر في أخبار البشر ٣ / ١٣٦ ، والعسجد المسبوك ٢ / ٤١٧ ، وسيرة جلال الدّين ٢١٠ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١١٢.

١٩

سنة أربع وعشرين وستّمائة

الوقعة بين جلال الدّين والتتار

فيها جرت وقعة بين جلال الدّين الخوارزميّ وبين التتار ، وكان بتوريز (١) فجاءه الخبر أنّ التّتار قد قصدوا أصبهان ، فجمع عسكره ، وتهيّأ للملتقى ، لكون أولاده وحرمه فيها ، فلمّا وصلها ، وأزاح علل الجند بما احتاجوا ، جرّد منهم أربعة آلاف صوب الريّ ودامغان يزكا ، فكانت الأخبار ترد من جهتهم وهم يتقهقرون ، والتّتار يتقدّمون ، إلى أن جاءه اليزك (٢) ، وأخبروه بما في عسكر التّتار من الأبطال المذكورين مثل باجي نوين (٣) ، وباقونوين (٤) ، وأسر طغان ، ووصلت التّتار ، فنزلوا شرقيّ أصبهان. وكان المنجّمون أشاروا على السّلطان جلال الدّين بمصابرتهم ثلاثة أيّام ، والتقائهم في اليوم الرابع ، فلزم المكان مرتقب اليوم الموعود ، وكان أمراؤه وجيشه قد انزعجوا من التّتار ، والسّلطان يتجلّد ، ويظهر قوّة ، ويشجّع أصحابه ، ويسهل الخطب ، ثمّ استحلفهم أن لا يهربوا ، وحلف هو ، وأحضر قاضي أصبهان ورئيسها وأمرهما بعرض الرّجّالة في السّلاح. فلمّا رأى التّتار تأخّر السّلطان عن الخروج إليهم ، ظنّوا أنّه امتلأ خوفا ، فجرّدوا ألفي فارس إلى الجبال يغارون (٥) ويجمعون ما

__________________

(١) يرد في المصادر : «توريز» و «تبريز» وهما واحد.

(٢) اليزك : طليعة العسكر.

(٣) في المطبوع من «تاريخ الإسلام» ـ الطبقة الثالثة والستون ـ (طبعة مؤسسة الرسالة) ، ص ١٨ «نوبل» باللام ، وقد تكرّرت ، وهو غلط. والصحيح ما أثبتناه ، وهو لفظ مغوليّ معناه أمير. (صبح الأعشى ٤ / ٤٢٥).

(٤) المراد : «يغيرون».

(٥) يعني : يغيرون.

٢٠