🚘

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٨

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٨

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٦٣٩
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الطبقة الثالثة عشرة

سنة احدى وعشرين ومائة وحوادثها

توفي فيها إياس بن معاوية (١) أو في التي تليها ، وزيد بن علي قتل فيها بخلف. وسلمة بن كهيل (٢) في آخر يوم منها. وعطية بن قيس المذبوح. ومحمد بن يحيى بن حبان الأنصاري. ومسلمة بن عبد الملك فيها بخلف. ونمير (٣) بن أوس الأشعري.

* * *

وفيها غزا مروان بن محمد فسار من أرمينية إلى قلعة بيت السرير (٤) من بلاد الروم فقتل وسبى وغنم ، ثم أتى قلعة ثانية فقتل وأسر. ثم دخل حصن عوميك (٥) وفيه سرير الملك (٦) ، فهرب الملك. ثم إنهم صالحوا مروان في السنة على ألف رأس ومائة ألف مدي (٢). ثم سار مروان فدخل

__________________

(١) المزني قاضي البصرة. ذكر وفاته في دول الإسلام (١ / ٨٤) سنة ١٢٢ ه

(٢) محدّث الكوفة. (دول الإسلام ١ / ٨٣) وذكر ابن خياط وفاته في سنة ١٢٢ ه‍. (ص ٢٥٤).

(٣) ورد في نسخة القدسي ٥ / ٢٦ «غير». وفي البداية والنهاية ٩ / ٣٢٩ «نمير بن قيس» والتصحيح من : التاريخ الكبير ٨ / ١١٧. المشاهير ١١٨. دول الإسلام ١ / ٨٣.

(٤) تسمى سرير الذهب. مملكة واسعة بين اللان وباب الأبواب. وهي حاليا في جنوب الاتحاد السوفييتي. (دول الإسلام ١ / ٨٣).

(٥) في الأصل غومشك «وكذلك في دول الإسلام» وفي «الكامل في التاريخ» لابن الأثير ٢٤٠٥ «غوميك» ، وفي «تاريخ خليفة بن خياط» ٣٥١ «غومسك».

(٦) سرير الذهب. (الطبري ٧ / ١٦٠).

(٧) مدي. بضم الميم. مكيال للشام ومصر.

٥

أرض أزر (١) وبلاد بطران (٢) فصالحوه ، وصالحه أهل بلاد تومان (٣). ثم أتى جمرين (٤) فقاتلهم ولازم الحصار عليهم شهرين ثم صالحوه ، ثم افتتح مسدارة (٥) وغيرها.

وذكر خليفة بن خياط (٦) أن البطّال (٧) قتل فيها.

* * *

وفيها غزا الصائفة مسلمة ابن أمير المؤمنين هشام فسار حتى أتى ملطية (٨).

وقد مات مسلمة هذا في دولة أبيه.

__________________

(١) أزر : بالفتح ثم سكون الراء المهملة. بليدة من أول جبال طبرستان من ناحية الديلم وبها قلعة حصينة. (ياقوت ١ / ١٤٩).

(٢) في العبر للذهبي «نطران» ١ / ١٥٣.

(٣) مهملة في الأصل. وهو «تومان شاه» كما في دول الإسلام ١ / ٨٣.

(٤) أثبتها القدسي في نسخته «حمزين» والتصحيح من دول الإسلام ١ / ٨٣.

(٥) عند ابن الأثير ٥ / ٢٤٠ «مسداز» وفي دول الإسلام «مسدار».

(٦) تاريخ خليفة ٣٥٢.

(٧) هو : ابو يحيى عبد الله المعروف بالبطال. كان من المجاهدين في بلاد الروم. وسيرته مشهورة في كتب التاريخ. اختلف في سنة وفاته.

(٨) تاريخ خليفة ٣٥٢.

٦

سنة اثنتين وعشرين ومائة

فيها مات بكير بن عبد الله بن الأشج على قول زبيد اليامي وقيل سنة أربع ، وسيار أبو الحكم بواسط. ويزيد بن عبد الله بن قسيط. ويعقوب بن عبد الله ابن الأشج ، وأبو هاشم الرماني يحيى. والزبير بن عديّ الكوفي.

وولد فيها سعيد بن عامر الضبعي وأبو عاصم النبيل (١).

* * *

وفيها خرج بأرض المغرب ميسرة الحقير (٢) وعبد الأعلى مولى موسى ابن نصير متعاضدين ومعهما خلائق من الصفرية (٣) في شهر رمضان فعسكر لملتقاهم متولي إفريقية فكان المصافّ بينهم فاستظهر والي إفريقية لكن قتل ابنه إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب. ثم إنه جهّز جيشا عليهم أبو الأصمّ خالد فالتقوا فقتل أبو الأصمّ في جماعة من الأشراف في آخر السنة.

واستفحل أمر الصفرية وبايعوا بالخلافة الشيخ عبد الواحد بن زيد الهواري فلم ينشب أن قتل وجرت حروب مهولة وقتل المسلمون وعظم الخطب وكانت سنة وأيّ سنة.

__________________

(١) ذكر خليفة بن خياط ان ولادته في سنة ١٢١ ه‍. (ص ٣٥٢).

(٢) انظر : تاريخ خليفة ٣٥٣ ، دول الإسلام ١ / ٨٤.

(٣) الصفرية الزيادية أصحاب زياد بن الأصفر ، خالفوا الأزارقة والنجدات والإباضية في أمور. (الملل والنّحل ـ الشهرستاني ٢ / ٥٦).

٧

وكان الأمير عبيد الله بن الحبحاب قد جهّز حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة الفهري غازيا إلى جزيرة صقلّيّة فقدم معه ولده عبد الرحمن على طلائعه وكان عبد الرحمن أحد الأبطال فلم يثبت له أحد وظفر ظفرا ما سمع بمثله قط وسار حتى نزل على أكبر مدائن صقلّيّة وهي مدينة سرقوسة (١) فقابلوه فهزمهم وهابته النصارى وذلّوا لأداء الجزية.

وكان والده عبيد الله بن الحبحاب قد استعمل على طنجة وما يليها عمر بن عبد الله المرادي فظلم وعسف وأساء السيرة في البربر فثاروا واغتنموا غيبة العساكر وتداعت على عمر القبائل وعظم الشر. وهذه أول فتنة كانت بالمغرب بعد تمهيد البلاد فأمّرت البربر عليهم ميسرة الحقير فأسرع حبيب الفهري الكرة من صقلّيّة فالتقى هو وميسرة فكانت ملحمة هائلة فاستظهر ميسرة. ثم إن البربر أنكرت سوء سيرة ميسرة وتغيّروا عليه فقتلوه وأمّروا عليهم خالد ابن حميدة الزناتي فأقبل بهم في جيش عظيم فكانت بينهم وبين عسكر الإسلام ملحمة مشهورة قتل فيها خالد الزناتي وسائر من معه وذهب فيها خلق من فرسان العرب ولهذا سميت غزوة الأشراف. ومرج أمر الناس وقويت الخوارج. وعمد الناس إلى عبيد الله بن الحبحاب فعزلوه فغضب الخليفة هشام لما بلغه وتنمّر ، وبعث على المغرب كلثوم بن عياض القشيري.

__________________

(١) سرقوسة : بفتح أوله وثانيه. أكبر مدينة بجزيرة صقلّيّة وكان بها سرير ملك الروم قديما. (ياقوت ٣ / ٢١٤). وفي نسخة القدسي «سرياقوسة» وهو خطأ واضح.

٨

سنة ثلاث وعشرين ومائة

فيها توفي ثابت البناني. وربيعة بن يزيد القصير بدمشق. وأبو يونس سليم مولى أبي هريرة. وسماك بن حرب الذهلي. وسعيد بن أبي سعيد المقبريّ. وشرحبيل بن سعد المدني. وأبو عمران الجوني عبد الملك بن حبيب. وابن محيصن مقريء مكة. ومحمد بن واسع عابد البصرة. ومالك بن دينار بخلف.

* * *

وفيها كانت وقعة عظيمة بين البربر وبين كلثوم بن عياض فقتل كلثوم في المصافّ واستبيح عسكره وقتل عدّة من أمرائه كسرهم أبو يوسف الأزدي رأس الصفرية ثم اتبع المسلمين يقتل ويأسر. وقتل حبيب بن أبي عبيدة الفهري وسليمان بن أبي المهاجر. ثم قام بأمر المسلمين بلج ابن عم كلثوم فانتصر على الخوارج وهزمهم وقتل أبو يوسف في خلق من الصفرية (١). وكان كلثوم المذكور من جلّة الأمراء ولي دمشق مدة لهشام ثم ولّاه المغرب فسار إليها في خلق من عرب الشام فلما قتل دخل منهم خلق إلى الأندلس وعليها عبد الرحمن ابن حبيب الفهري وعبد الملك بن قطن فجرت بينهم وقعات على المنافسة على الدنيا فقتل بلج القشيري ووجوه أصحابه.

* * *

__________________

(١) دول الإسلام ١ / ٨٤.

٩

وفيها حج بالناس يزيد ابن الخليفة هشام وفي صحبته الزهري وفيها لقيه مالك وابن عيينة (١).

__________________

(١) زاد في (شذرات الذهب) : وأهل الحجاز. (١ / ١٦١).

١٠

سنة اربع وعشرين ومائة

توفي فيها عبد الله بن قيس الجهنيّ. وعمرو بن سليم الزرقيّ أبو طلحة. والقاسم ابن أبي بزة (١) المكيّ. ومحمد بن عبد الرحمن بن أسعد (٢) بن زرارة. ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري. ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس بخلف. وأبو جمرة نصر (٣) بن عمران الضبعي (٤).

* * *

وعاثت الصفرية بالمغرب وحاصروا قابس (٥) ونصبوا عليها المجانيق ، وافترقت الصفرية بعد مقتل ميسرة فرقتين ، وقيل إنه كان في صباه يسقي الماء ولما بلغ الخليفة هشام قتل كلثوم بعث على المغرب حنظلة بن صفوان الكلبي (٦).

__________________

(١) مهملة في الأصل. والتصحيح من تاريخ خليفة ٣٥٦.

(٢) في تاريخ خليفة : «من ولد سعد بن زرارة».

(٣) في الأصل «نضر».

(٤) بضم الضاد وفتح الباء. (اللباب ٢ / ٢٦٠).

(٥) مدينة بين طرابلس وسفاقس ثم المهدية على ساحل البحر. كان فتحها مع فتح القيروان سنة ٢٧ ه‍. وهي مدينة جليلة مسوّرة بالصخر. (ياقوت ٤ / ٢٨٩).

(٦) انظر تاريخ خليفة ٣٥٤ ـ ٣٥٦.

١١

سنة خمس وعشرين ومائة

فيها توفي أشعث بن أبي الشعثاء سليم ، وبديل بن ميسرة العقيلي ، وجبلة ابن سحيم في قول خليفة. وأبو بشر جعفر بن إياس. وزياد بن علافة الثعلبي (١) وزيد بن أبي أنيسة الرهاوي ، وسعد بن إبراهيم الزهري في قول ، وسليمان ابن حميد بمصر. وصالح مولى التوأمة بالمدينة. وعلي بن نفيل (٢) الحراني بها. ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس على الأصح. ومرثد بن سميّ والوليد ابن عبد الملك بن أبي مالك. وهشام بن عبد الملك الخليفة ، ويحيى بن زيد بن عليّ قتل كأبيه.

* * *

وفيها استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك فكتب إلى يوسف بن محمد الثقفي أن يبعث إلى أمير العراق يوسف بن عمر (٣) الثقفي بالأخوين إبراهيم ومحمد ابني هشام بن إسماعيل المخزومي. فلما قدما عليه عذّبهما حتى هلكا. وكان إبراهيم هذا قد ولي الحرمين لهشام مدة وأقام الحج مدة.

وكانت الفتن شديدة بالمغرب ونيران الحرب تستعر وعليها الأمير حنظلة ابن صفوان فزحف إليه عكاشة الخارجي في جمع فالتقوا فكانت بينهم وقعة

__________________

(١) محرفة في الأصل. (اللباب ١ / ٢٣٧).

(٢) في الأصل «نقيل» والتصحيح من اللباب ٣ / ٣٢٠.

(٣) في الأصل «يوسف بن محمد بن عمر».

١٢

لم يسمع بمثلها وانهزم عكاشة وقتل من البربر من لا يحصى ثم تناخوا وسار رأسهم عبد الواحد الهواري بنفسه فجهز حنظلة لملتقاه أربعين ألفا فانكسروا وولّوا الأدبار وقتل منهم عشرون ألفا ، ونزل عبد الواحد بجيوشه على فرسخ من القيروان ، وكان فيما قيل في ثلاثمائة ألف ، فبذل حنظلة الأموال والسلاح وعبّأ عشرة آلاف فخرجوا ومعهم القراء والوعّاظ وكثر الدعاء والاستغاثة بالله وضجّ النساء والأطفال وكانت ساعة مشهودة ، وسار حنظلة بين الصفوف يحرض على الجهاد ، واستسلمت النساء للموت لما يعلمن من رأي هؤلاء الصفرية ، ثم كبّر المسلمون وصدقوا الحملة وكسروا أغماد سيوفهم ، والتحم الحرب (١) وثبت الجمعان ثم انكسرت ميسرة الإسلام ثم تراجعوا وحملوا فهزموا العدو وقتل عبد الواحد الهواري وأتي برأسه ، وقتل البربر مقتلة لم يسمع بمثلها ، وأسر عكاشة وأتي به فقتله حنظلة وأمر بإحصاء القتلى بالقصب بأن طرح على كل قتيل قصبة ثم جمع القصب فبلغت مائة ألف وثمانين ألفا. وهذه ملحمة مشهودة ما سمعنا بمثلها قط ، وهؤلاء الكلاب يستبيحون سبي نساء المسلمين وذرّيتهم ودماءهم ويكفّرون أهل القبلة ، وتعرف بغزوة الأصنام باسم قرية هناك.

وعن الليث بن سعد قال : ما غزوة كان أحب إليّ أن أشهدها بعد غزوة بدر من غزوة الغرب بالأصنام (٢).

__________________

(١) في كتاب (المذكر والمؤنث للفرّاء) : الحرب مؤنثة ، قال أبو عبد الله قال الفرّاء في موضع آخر : الحرب مذكر.

(٢) انظر : البيان المغرب ١ / ٥٨ و ٥٩.

١٣

سنة ست وعشرين ومائة

فيها توفي جبلة بن سحيم الكوفي ، وخالد بن عبد الله القسري مقتولا ، ودراج أبو السمح المصري القاصّ ، وسعيد بن مسروق الثوري ، وسليمان بن حبيب المحاربي ، وعبد الله بن هبيرة السبائي ، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد ، وعبيد الله بن أبي يزيد المكيّ ، وعطاء بن دينار المصري ، وعمرو بن دينار المكيّ. والكميت بن زيد الأسدي الشاعر. ونبيه بن وهب العبدري. والوليد بن يزيد خلع وقتل. ويحيى بن جابر الطائي بحمص. ويزيد بن الوليد الناقص في آخر العام.

* * *

وفيها خرج أبو خالد يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن على ابن عمه الخليفة الوليد لما انتهك من حرمات الله واستهتر بالدين فبويع يزيد بالمزّة وتوثّب على دمشق فأخذها ثم جهّز عسكرا إلى الوليد بن يزيد وهو بنواحي تدمر عاكفا على المعاصي فقتل بحصن البخراء من ناحية تدمر في شهر جمادى الآخرة (١).

فذكر الواقدي : قال حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه قال : كان الزهري يقدح في الوليد أبدا عند هشام ويعيبه ويذكر عنه العظائم من المرد وغير ذلك وأنه يخضبهم بالحنّاء ويقول : ما يحلّ لك يا أمير المؤمنين إلا أن تخلعه من

__________________

(١) يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.

١٤

العهد. وكان الوليد قد جعله أبوه وليّ عهد بعد هشام فكان هشام لا يستطيع خلعه ويعجبه قول الزهري رجاء أن يؤلّب الناس عليه. ثم إن يزيدا استخلف فلم تطل مدّته ولا متّع فعهد بالأمر إلى أخيه إبراهيم بن الوليد في ذي الحجّة وقيل لم يعهد إلى إبراهيم بل بايعه الملأ فتوثّب عليه بعد أيام مروان الحمار كما يأتي.

* * *

وفيها خرج عبد الرحمن بن حبيب الفهري بالمغرب وعليها حنظلة بن صفوان وكان فيه دين وورع عن الدماء فنزح عن القيروان وتأسف عليه الناس لجهاده وعدله (١).

__________________

(١) البيان المغرب ١ / ٦٠ ـ ٦٢.

١٥

سنة سبع وعشرين ومائة

فيها توفي إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّي. وبكير بن عبد الله بن الأشجّ على الأصح. وسعد بن إبراهيم في قول. وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهميّ. وعبد الكريم بن مالك الجندي. وعبد الله بن دينار المدني. وعمرو ابن عبد الله أبو إسحاق السّبيعي ، وعمير بن هانئ العنسيّ ، ومالك بن دينار الزاهد في قول ، ومحمد بن واسع في قول خليفة. ووهب بن كيسان المؤدب.

* * *

وفيها كانت فتن عظيمة وبلاء : فمن ذلك أن مروان بن محمد متولّي أذربيجان وأرمينية وتلك الممالك ، لما بلغه موت يزيد الناقص ، أنفق الأموال وجمع الأبطال وسار بالعساكر فدخل الشام ، فجهز إبراهيم بن الوليد لحربه أخويه بشرا ومسرورا ، فالتقوا ، فانتصر مروان وأسرهما وسجنهما ، ثم زحف حتى نزل بعذراء (١) فالتقاه سليمان بن هشام بن عبد الملك ، فكانت بينهما وقعة مشهودة ، ثم انهزم سليمان وبلغ ذلك إبراهيم بن الوليد فعسكر بظاهر دمشق وأنفق الأموال في العسكر فخذلوه وتفلّلوا عنه ، ووثب الكبار بدمشق فقتلوا عبد العزيز بن (٢) الحجاج بن عبد الملك بن مروان ويوسف بن عمر الّذي كان نائب العراق في الحبس.

__________________

(١) قرية بغوطة دمشق. (ياقوت ٤ / ٩١).

(٢) «بن» ساقطة من الأصل ، والاستدراك من «شذرات الذهب».

١٦

وقتل الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد وكانا يلقّبان بالجملين وكانا شابّين أمر دين قتلوهما بالدبابيس وثب عليهما غلمان يزيد بن خالد القسري لأن أمراء دمشق خافوا من أن يخرجهما مروان الحمار فيبايع أحدهما أو يجعله وليّ عهد فلا يستبقي أحدا قام على أبيه.

ثم هرب الخليفة إبراهيم بن الوليد فسار يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية وبنو عمّه ومحمد بن عبد الملك بن مروان إلى عذراء إلى مروان الحمار وبايعوه بالخلافة ودخل البلد فأمر بنبش يزيد بن الوليد رحمه‌الله وصلبه لأجل قيامه على الوليد الفاسق ، ثم إن الخليفة إبراهيم ذلّ وجاء فوضع يده في يد مروان ابن محمد وخلع نفسه من الأمر وسلّمه إلى مروان وبايع طائعا.

وجرت هوشات وفتن ، ووثب رجل من بني تميم بالغوطة فقتل يزيد ابن خالد بن عبد الله القسري وتم الأمر لمروان ، ثم سار عن دمشق فخلعه أهلها وأهل حمص فنزل على حمص بجيشه وحاصرها وأخذها وقتل عدة أمراء وهدم ناحية من سورها. وخرج عليه من طبرية ثابت بن نعيم الجذامي فجهّز لحربه عسكرا فانهزم ثابت بعد أن قتل جماعة من جنده ثم أسر وأتي به مروان فقطع أربعته (١) بدمشق وكان سيد اليمانية في زمانه.

وأما أهل الكوفة فبايعوا عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الهاشمي وكان معه أخواه الحسن ويزيد وكانوا قد وفدوا على نائب الكوفة عبد الله ابن عمر بن عبد العزيز فأكرمهم وبالغ في الإحسان ، فلما مات يزيد الناقص هاجت شيعة الكوفة وجيّشوا وغلبوا على القصر وبايعوا عبد الله هذا ، فحشد معه خلائق فالتقاهم عسكر الكوفة وتمت لهم وقعة انهزم فيها عبد الله بن معاوية فدخل القصر وقتل خلق من شيعته ثم إنه أخرج من القصر وأمّنوه وأخرجوه

__________________

(١) قال ابن خياط : فقطع يديه ورجليه. (ص ٣٧٤).

١٧

من الكوفة فتلاحق به عدد كثير ورجع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز إلى قصر الإمارة.

وفي هذه المدة كان ظهور سعيد بن بحدل الخارجي بنواحي الموصل وتبعه خلق فلم ينشب أن مات واستخلف على أصحابه الضحاك بن قيس المحكّمي (١) فغلب على تكريت ثم سار منها إلى الكوفة فعسكر بدير الثعالب (٢) في نحو من ثلاثة آلاف فالتقاه عبد الله بن عمر فكان بينهما وقعة هائلة ثم انكسر عبد الله وتحيّز إلى واسط ، وملك الضحاك الكوفة وقوي أمره ثم عبّأ جيوشه في رمضان ، وسار حتى نزل على واسط فحاربه عبد الله بن عمر ، وكان منصور ابن جمهور أحد الأبطال المذكورين والشجعان المعدودين مع ابن عمر ، فدام القتال بين الفريقين شهرين أو أكثر وقتل خلق ، ثم أرسل الضحاك المحكمي إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ولاطفه على أن يدخل في طاعته ويقرّه على عمله ، فأعطاه عبد الله ذلك ولابنه ، وفي ذلك يقول شبيل بن عزرة الضبعي وكان من الخوارج :

ألم تر أن الله أظهر دينه

وصلّت قريش خلف بكر بن وائل (٣)

ثم سار الضحاك إلى الموصل فخرج لحربه متوليها (٤) فقتل ، ثم استولى الضحاك على الموصل واتسع سلطانه واستفحل أمر الخوارج ، فكتب مروان ابن محمد الخليفة ـ إلى ولده عبد الله وإلى الجزيرة فأمره أن يعسكر بنصيبين (٥)

__________________

(١) في الأصل «المحلمي» ، والتصحيح من «اللباب ٣ / ١٧٤».

(٢) دير مشهور بينه وبين بغداد ميلان أو أقل في كورة نهر عيسى على طريق صر صر. (ياقوت ٢ / ٥٠٢).

(٣) البيت في تاريخ خليفة ٣٧٨ وتاريخ الموصل للأزدي ٢ / ٥٩.

(٤) في الأصل «متوليا».

(٥) بالفتح ثم الكسر. مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل الى الشام. (ياقوت ٥ / ٢٨٨).

١٨

فسار إليه الضحاك فحصره نحوا من شهرين وبثّ خيله يغيرون على بلاد الجزيرة وكثرت جموع الضحاك وانضاف إليه من هرب من مروان بن محمد وعظم الخطب فسار مروان بنفسه ليكشف عن ابنه ، فالتقاه الضحاك فأشار على الضحاك أمراؤه أن يتأخر ويقدّم فرسانه فقال : إني والله ما لي في دنياكم هذه من حاجة وإنما أردت هذا الطاغية وقد جعلت لله عليّ إن رأيته أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيننا وبينه (١) ، وعليّ دين سبعة دراهم في كميّ منها ثلاثة (٢) ، والتحم القتال إلى المساء فقتل الضحاك في المعركة ولم يدر به أحد ودخل الليل وقتل من الفريقين نحو من ستة آلاف ثم أصبحوا على القتال ، وركب الناس يومئذ ضباب بحيث أن الفارس لا يرى عرف فرسه ، ومضى مروان في كل وجه وثبت جنده وجاء الخيبري (٣) أحد رءوس الخوارج فدخل في معسكر مروان وقطع أطناب خيامه وجلس على سريره فكرّ نحو من ثلاثة آلاف على الخيبري فقتلوه ، فقام بأمر الخوارج شيبان فتحيّز بهم (٤) ونزل بالزابين (٥) وخندقوا على نفوسهم فقاتلهم مروان بن محمد عشرة أشهر كل يوم راية مروان مهزومة ، ثم نزل شيبان الخنادق وطلب شهرزور (٦) ثم انحدر على ماه (٧) ثم على

__________________

(١) في تاريخ خليفة ٣٧٩ «بيني وبينهم».

(٢) في تاريخ خليفة ٣٧٩ «ثلاثة دراهم».

(٣) في الأصل «الخبيري».

(٤) في الأصل «تحيّزهم».

(٥) الزاب الأعلى بين الموصل وإربل ، والزاب الأسفل مخرجه من جبال السّلق ما بين شهرزور وأذربيجان. (ياقوت ٣ / ١٢٤).

(٦) بالفتح ثم السكون وراء مفتوحة وواو ساكنة. كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان. (ياقوت ٣ / ٣٧٥).

(٧) بلدة بأرض فارس. (ياقوت ٥ / ٤٩).

١٩

الصيمرة (١) فأتى بلاد كرمان (٢) وعاث وأفسد ثم رجع إلى عمان فقاتلوه فقتل في الوقعة (٣).

* * *

وفيها كان قد خرج بأذربيجان بسطام بن الليث التغلبي فسار في نيّف وأربعين فارسا حتى قدم بلد (٤) فسار إليه عسكر من الموصل فبيّتهم وأصاب منهم ثم قدم نصيبين فعاث وشغب في حياة الضحاك فجهّز له الضحاك عسكرا فقتل هو وغالب أصحابه ثم سكن وذلّت الخوارج (٥).

وتوطّدت المملكة لمروان فبعث على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري وعزل عبد الله بن عمر فكانت إمرة عبد الله عامين فسار يزيد بن عمر حتى نزل هيت (٦) وحارب الخوارج مرات وظهر عليهم وانهزم منه منصور بن جمهور إلى السند.

* * *

وفيها خرج الحارث بن حريث الكرماني ومعه الأزد فالتقاه أمير خراسان نصر بن سيار فانهزم نصر وقوي أمر الحارث والتفّت عليه مضر وبايعوه وغلب على مرو واستفحل أمره.

__________________

(١) بلد بين ديار الجبل وديار خوزستان. (ياقوت ٣ / ٤٣٩).

(٢) بفتح الكاف أو كسرها وتسكين الراء. ولاية واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. (ياقوت ٤ / ٤٥٤).

(٣) انظر : دول الإسلام ١ / ٨٨ وتاريخ خليفة ٣٨٠.

(٤) بفتح أوله وثانيه. اسمها بالفارسية شهراباذ. وهي مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل (ياقوت ١ / ٤٨١).

(٥) انظر : تاريخ خليفة ٣٨٢.

(٦) بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار. (ياقوت ٥ / ٤٢١).

٢٠