🚘

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ١٤

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ١٤

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٧٣
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الطبقة الحادية والعشرون

سنة إحدى ومائتين

[بيعة المأمون لعليّ بن موسى الرضا بولاية العهد]

فيها (١) جعل المأمون وليّ العهد من بعده عليّ بن موسى الرّضا ، وخلع أخاه القاسم بن الرشيد. وأمر بترك السّواد ولبس الخضرة في سائر الممالك ، وأقام عنده بخراسان. فعظم هذا على بني العبّاس ، لا سيما في بغداد. وثاروا وخرجوا على المأمون ، وطردوا الحسن بن سهل من بغداد.

وكتب المأمون إلى إسماعيل بن جعفر بن سليمان العبّاسي أمير البصرة بلبس الخضرة ، فامتنع ولم يبايع بالعهد لعليّ الرّضا. فبعث المأمون عسكرا لحربه ، فسلّم نفسه بلا قتال ، فحمل هو وولده إلى خراسان وبها المأمون ، فمات هناك (٢).

* * *

__________________

(١) من هنا عن «المنتقى» لابن الملّا.

(٢) انظر خبر بيعة المأمون للرضا بولاية العهد ، في :

تاريخ خليفة ٤٧٠ ، وتاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٤٨ ، ٤٤٩ ، والمعرفة والتاريخ للفسوي ١ / ١٩٢ ، وتاريخ الطبري ٨ / ٥٥٤ وما بعدها ، والعيون والحدائق لمؤرّخ مجهول ٣ / ٣٥٣ ، ومروج الذهب للمسعوديّ ٤ / ٢٨ ، والبدء والتاريخ للمقدسي ١١٠ ، والإنباء في تاريخ الخلفاء لابن العمراني ٩٨ ، والكامل في التاريخ لابن الأثير ٦ / ٣٢٦ ، ونهاية الأرب للنويري ٢٢ / ٢٠٢ ، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ٢ / ٢٢ ، والفخري في الآداب السلطانية لابن طباطبا ٢١٧ ، وتاريخ حلب للعظيميّ ٢٤١ ، ومرآة الجنان لليافعي ٢ / ٢ ، والبداية والنهاية ١٠ / ٢٤٧ ، ومآثر الإنافة للقلقشندي ١ / ٢٠٩ و ٢١١ ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٧ ، وتاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٤٧ ، وتاريخ مختصر الدول لابن العبري ١٣٤.

٥

[خلع المأمون والدعوة لإبراهيم بن المهديّ]

وفيها عسكر منصور ابن المهديّ بكلواذى ، ونصّب نفسه نائبا للمأمون ببغداد ، فسمّوه المرتضى ، وسلّموا عليه بالخلافة ، فامتنع من ذلك وقال : إنّما أنا نائب للمأمون. فلمّا ضعف عن قبول ذلك عدلوا عنه إلى أخيه إبراهيم بن المهديّ فبايعوه. وجرت فتنة كبيرة ٧ واختبط العراق (١).

* * *

[ولاية زيادة الله بن الأغلب على المغرب]

وفيها ولّي المغرب زيادة الله بن إبراهيم الأغلب التميميّ لبني العبّاسي بعد موت أخيه عبد الله. وبقي في الإمرة اثنتين وعشرين سنة (٢).

* * *

[تحرّك بابك الخرّميّ]

وفيها تحرّك بابك الخرّميّ (٣).

__________________

(١) انظر عن هذا الخبر وتفاصيله ، في :

تاريخ خليفة ٤٧٠ ، وتاريخ الطبري ٨ / ٥٤٦ وما بعدها ، والعيون والحدائق ٣ / ٣٥٢ ، والكامل في التاريخ ٦ / ٣٢٧ ، ونهاية الأرب ٢٢ / ٢٠٣ ، والمختصر في أخبار البشر ٢ / ٢٣ ، ومرآة الجنان ٢ / ٢ ، والبداية والنهاية ١٠ / ٢٤٧ ، والنجوم الزاهرة ٢ / ١٦٩.

(٢) الكامل في التاريخ ٦ / ٣٢٨ ، والعيون والحدائق ٣ / ٣٥٥ ، ونهاية الأرب ٢٤ / ١٠٧ ، والحلّة السيراء لابن الأبّار ١ / ١٦٣ ، والبيان المغرب ١ / ٩٦ ، وتاريخ ابن خلدون ٤ / ١٩٧ ، والنجوم الزاهرة ٢ / ١٦٩.

(٣) تاريخ الطبري ٨ / ٥٥٦ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٢٨ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٢.

٦

سنة اثنتين ومائتين

[البيعة لإبراهيم بن المهديّ]

في أوّلها بايع العبّاسيّون وأهل بغداد إبراهيم بن المهديّ ، وخلعوا المأمون لكونه أخرجهم من الأمر وبايع بولاية العهد لعليّ بن موسى الرّضا ، وأمرهم والدولة بإلغاء السّواد ولبس الخضرة.

فلمّا كان يوم الجمعة خامس المحرّم صعد إبراهيم بن المهديّ ، الملقّب بالمبارك ، المنبر. فأوّل من بايعه عبيد الله بن العبّاس بن محمد بن عليّ بن منصور ابن المهديّ أخوه ، ثم بنو عمّه ، ثمّ القوّاد (١).

وكان المطّلب بن عبد الله بن مالك الخزاعيّ هو المتولّي لأجل البيعة.

وسعى في ذلك ، وقام به السّنديّ ، وصالح صاحب المصلّى ، ونصير الوصيف (٢).

[خروج مهديّ الحروريّ على إبراهيم بن المهديّ]

ثم بايع أهل الكوفة والسّواد. وعسكر بالمدائن ، واستعمل على جانبي بغداد العبّاس بن موسى الهاشميّ ، وإسحاق بن موسى الهادي. فخرج عليه مهديّ بن علوان الحروريّ محكّم (٣) ، فجهّز لقتاله أبا إسحاق بن الرشيد ، وهو المعتصم ، فهزم مهديّا (٤).

__________________

(١) تاريخ الطبري ٨ / ٥٥٧ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٤١.

(٢) يضيف الطبري إلى المبايعين «منجاب». (ج ٨ / ٥٥٧).

(٣) في الأصل «محكّما».

(٤) تاريخ الطبري ٨ / ٥٥٨ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٤١.

٧

وقيل : بل وجه لقتاله المطّلب.

[خروج أبي السرايا بالكوفة]

وخرج أخو أبي السّرايا بالكوفة ، فلبس البياض ، وتجمّع إليه طائفة ، فلقيه غسّان بن [أبي] الفرج في رجب فقتله ، وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهديّ (١). فولّاه إبراهيم الكوفة.

وبيّت عسكر إبراهيم بعض أصحاب الحسن بن سهل.

وخامر حميد بن عبد الحميد إلى الحسن بن سهل ، ثم إنّه بعثه إلى الكوفة ، فولّى عليها العبّاس بن موسى ، وأمره أن يلبس الخضرة ، وأن يدعو لأخيه عليّ الرّضا بعد المأمون. وقال له : قاتل عن أخيك عسكر ابن المهديّ ، فإنّ أهل الكوفة شيعتكم ، وأنا معك (٢).

فلمّا كان الليل خرج حميد وتركه (٣).

ثم تواقع بعض عسكر ابن المهديّ وأصحاب ابن سهل ، فانكسر عسكر ابن سهل ، وجرت أمور وحروب بين أهل الكوفة ، وأهل العراق عند إبراهيم بن المهديّ (٤).

ثم أمر إبراهيم عيسى بن محمد بن أبي خالد ، وهو أكبر قوّاده ، بالمسير إلى ناحية واسط ، وبها الحسن بن سهل. وأمر ابن عائشة الهاشميّ ، ونعيم بن خازم أن يسيرا ، ولحق بهم سعيد بن السّاجور ، وأبو البطّ ، ومحمد الإفريقيّ ، فعسكروا بقرب واسط ، وأمير الكلّ عيسى (٥).

__________________

(١) تاريخ الطبري ٨ / ٥٥٨.

(٢) انظر الخبر مفصّلا في تاريخ الطبري ٨ / ٥٥٩ ، والكامل في التاريخ ٦ / ٣٤٢ ، ٣٤٣ ، ونهاية الأرب ٢٢ / ٢٠٤ ، ٢٠٥.

(٣) الطبري ٨ / ٥٦٠ ، ابن الأثير ٦ / ٣٤٣.

(٤) راجع تفاصيل الخبر عند الطبري ٨ / ٥٦٠ ، ٥٦١ ، ابن الأثير ٦ / ٣٤٣ ، ٣٤٤.

(٥) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦١ ، ٥٦٢ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٤٤ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢٠٥ ، وانظر : تاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٥١.

٨

وأمّا الحسن بن سهل فكان متحصّنا بواسط ، ومعه أصحابه ، والتقوا في رجب ، فاقتتلوا أشدّ قتال. ثم انهزم جيش إبراهيم بن المهديّ ، وأخذ أصحاب الحسن أثقالهم وأمتعتهم وقووا (١).

* * *

[ظفر إبراهيم بن المهديّ بسهل بن سلامة]

وفي السنة ظفر إبراهيم بن المهديّ بسهل بن سلامة الأنصاريّ المطّوّعيّ ، فحبسه وعاقبه. وكان ببغداد يدعو إلى العمل بالكتاب والسّنّة ، واجتمع له عامّة بغداد. فكانوا ينكرون بأيديهم على الدولة ويغيرون ، ولهم شوكة ، وفيهم كثرة ، حتّى همّ إبراهيم بقتاله.

فلمّا جاءت الهزيمة أقبل سهل بن سلامة يقول لأصحابه : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فكان كلّ من أجابه لذلك عمل على باب داره برجا بآجرّ وجصّ ، ينصب عليه السّلاح والمصحف. فلما وصل عيسى من الهزيمة أتى هو وإخوته وأصحابه نحو سهل ، لأنّه كان يذكرهم بالفسق ويسبّهم ، فقاتلوه أيّاما. ثم خذله أهل الدّروب ، لأنّ عيسى وهبهم حملا من الدّراهم ، فكفّوا.

فلما وصل القتال إلى دار سهل بن سلامة ألقى سلاحه واختلط بالنّظّارة ، واختفى ودخل بين النّساء. فجعلوا العيون عليه ، فأخذوه في الليل من بعض الدّروب ، وأتوا به إسحاق بن الهادي ، وهو وليّ عهد بعد عمّه إبراهيم ، وكلّمه وحاجّه وقال : حرّضت علينا النّاس وعبتنا! فقال : إنّما كانت دعواي عبّاسيّة ، وإنّما كنت أدعو إلى الكتاب والسّنّة. وأنا على ما كنت عليه ، أدعوكم إليه السّاعة. فلم يقبل منه وقال : أخرج إلى الناس وقل : ما كنت أدعوكم إليه باطل. فخرج إلى الناس وقال : يا معشر النّاس ، قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من الكتاب والسّنّة ، وأنا أدعوكم إلى ذلك السّاعة.

فوجأ الأعراب في رقبته ولطموه ، فنادى : يا معشر الحربية ، المغرور من غررتموه.

ثم قيّد وبعث به إلى المدائن ، إلى إبراهيم بن المهديّ. فجرى بينه وبين

__________________

(١) الطبري ٨ / ٥٦٢ ، ابن الأثير ٦ / ٣٤٤ ، النويري ٢٢ / ٢٠٥.

٩

إبراهيم كنحو ما جرى بين ابن الهادي وبينه. فأمر بسجنه (١).

وكانوا قد أخذوا رجلا من أصحابه ، يقال له محمد الرواعيّ ، فضربه إبراهيم ونتف لحيته وقهره (٢).

* * *

[هياج العامّة على بشر المريسي]

واستعمل إبراهيم على قضاء بغداد قيس بن زياد الخراسانيّ الحنفيّ ، فهاجت في أيّامه العامّة على بشر المريسيّ (٣) ، وسألوا إبراهيم بن المهديّ أن يستتيبه ، فأمر قيس بذلك.

قال محمد بن عبد الرحمن الصّيرفيّ : شهدت جامع الرّصافة وقد اجتمع النّاس ، وقتيبة جالس. وأقام بشر المريسي على صندوق ، ومستملي سفيان بن عيينة أبو مسلم ، ومستملي يزيد بن هارون يذكر أنّ أمير المؤمنين إبراهيم أمر قاضيه أن يستتيب بشرا من أشياء عدّدها. منها ذكر القرآن. فرفع بشر صوته يقول : معاذ الله لست بتائب.

وكثر النّاس عليه حتّى كادوا يقتلونه ، فأدخل إلى باب الخدم.

* * *

[الحوار بين المأمون والرضا]

وأما المأمون ، فذكر أنّ عليّ بن موسى الرّضا حدّث المأمون بما فيه الناس من القتال والفتن منذ قتل الأمين. وبما كان الفضل بن سهل يستره عنه من الأخبار. وأنّ أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء ، وأنّهم يقولون إنّك مسحور أو مجنون ، وقد بايعوا عمّك إبراهيم.

فقال : لم يبايعوه بالخلافة. وإنّما صيّروه أميرا يقوم بأمرهم.

فبيّن له أنّ الفضل قد كتمه وغشّه.

فقال : من يعلم هذا؟

قال : يحيى بن معاذ ، وعبد العزيز بن عمران ، وعدّة من أمرائك فأدخلهم

__________________

(١) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦٢ ، ٥٦٣ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٤٥ ، ٣٤٦.

(٢) الطبري ٨ / ٥٦٣.

(٣) ستأتي ترجمته في الجزء التالي من هذا الكتاب ، حرف الباء.

١٠

عليه (١) ، فسألهم ، فأبوا أن يخبروه إلّا بأمان من الفضل أن لا يعرض لهم. فضمن المأمون ذلك ، وكتب لكلّ واحد منهم بخطّه كتابا. فأخبروه بما فيه النّاس من البلاء ، ومن غضبة أهل بيته وقوّاده عليه في أشياء كثيرة. وما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة. وأنّ هرثمة إنّما جاءه لنصحه وهدايته إلى الأمر. وأنّ الفضل دسّ إلى هرثمة من قتله. وأنّ طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعتك ما أبلى ، وفتح الأمصار ، وقاد إليك الخلافة مزمومة ، حتّى إذا وطّأ الأمر أخرج من ذلك كلّه ، وصيّر في زاوية من الأرض بالرّقّة. قد منع من الأموال حتّى ضعف أمره ، وشغب عليه جنده. وأنّه لو كان على بغداد لضبط الملك بخلاف الحسن بن سهل. وقد تنوسي طاهر بالرّقّة لا يستعان به في شيء من هذه الحروب (٢).

[خروج المأمون إلى العراق]

ثمّ سألوا المأمون الخروج إلى العراق ، فإنّ بني هاشم والقوّاد لو رأوا غرّتك سكتوا وأذعنوا بالطّاعة.

فنادى بالمسير إلى العراق. ولمّا علم الفضل بن سهل بشأنهم تعنّتهم حتّى ضرب البعض وحبس البعض. فعاود عليّ الرّضا المأمون في أمرهم ، وذكّره بضمانه لهم. فذكر المأمون أنّه يداري ما هو فيه.

ثم ارتحل من مرو وقدم سرخس ، فشدّ قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمّام فضربوه بالسيوف حتّى مات في ثاني شعبان.

وكانوا أربعة من حشم المأمون : غالب المسعوديّ الأسود ، وقسطنطين الروميّ ، وفرج الدّيلميّ ، وموفّق الصّقلبي ، فعاش ستين سنة ، وهرب هؤلاء ، فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار. فجاء بهم العبّاس بن الهيثم الدّينوريّ ، فقالوا للمأمون : أنت أمرتنا بقتله. فضرب أعناقهم (٣). وقد قيل إنهم اعترفوا أنّ عليّ ابن أخت الفضل بن سهل دسّهم.

ثم إنّه طلب عبد العزيز بن عمران ، وعليّ بن أخت الفضل ، وخلفا

__________________

(١) من هنا يعود النصّ إلى «تاريخ الإسلام» للمؤلّف.

(٢) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦٤ ، ٥٦٥ ، ابن الأثير ٦ / ٣٤٦ ، ٣٤٧ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٥.

(٣) الطبري ٨ / ٥٦٥ ، ابن الأثير ٦ / ٣٤٧ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٦ ، ٣٥٧.

١١

المصريّ ، ومؤنسا ، فقرّرهم ، فأنكروا. فلم يقبل ذلك منهم ، وضرب أعناقهم أيضا ، وبعث برءوسهم إلى واسط ، إلى الحسن بن سهل ، وأعلمه بما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل ، وأنّه قد صيّره مكانه. فتأخّر في المسير ليحصّل مغلّ واسط. ورحل المأمون نحو العراق (١).

وكان عيسى بن محمد ، وأبو البطّ ، وسعيد يواقعون عسكر الحسن كلّ وقت.

[دعوة المطّلب بن عبد الله للمأمون سرّا]

وأمّا المطّلب بن عبد الله فإنّه قدم من المدائن من عند إبراهيم ، واعتلّ بأنّه مريض ، وأخذ يدعو في السّرّ للمأمون ، على أن يكون منصور بن المهديّ خليفة المأمون ويخلعون إبراهيم. فأجابه إلى ذلك منصور بن المهديّ وخزيمة بن خازم وطائفة ، فكتب إلى حميد بن عبد الحميد ، وعليّ بن هشام أن يتقدّما إلى نهر صرصر والنّهروان. ففهم إبراهيم بن المهديّ حركتهم ، وبعث إلى المطّلب ومنصور وخزيمة ليحضروا. فتعلّلوا على الرسول. فبعث إبراهيم إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد وإخوته.

فأمّا منصور وخزيمة فأعطيا بأيديهم. وأمّا المطّلب فغافل عنه أصحابه وعبر منزله حتّى كثر عليهم النّاس. وأمر إبراهيم بنهب دياره واختفى هو. ولمّا بلغ ذلك حميدا وعليّ بن هشام ، بعث حميد قائدا إلى المدائن ثم نزلاها. فندم إبراهيم على ما صنع بالمطّلب ولم يقع به (٢).

__________________

(١) الطبري ٨ / ٥٦٥ ، ٥٦٦ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٧ ، ابن الأثير ٦ / ٣٤٧ ، ٣٤٨ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٥٢ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢٠٨ ـ ٢١٠.

(٢) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦٦ ، الكامل لابن الأثير ٦ / ٣٤٧ ، ٣٤٨.

١٢

سنة ثلاث ومائتين

توفّي فيها :

الحسين [بن عليّ] (١) الجعفيّ.

وزيد بن الحبّاب.

وعليّ بن موسى الرّضا.

وأبو داود المقرئ.

ومحمد بن بشر (٢) العبديّ.

ويحيى بن آدم.

والوليد بن مزيد البيروتيّ.

* * *

[وفاة الرضا]

ولمّا وصل المأمون إلى طوس أقام بها عند قبر أبيه أيّاما ، ثم إنّ عليّ بن موسى الرّضا أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة في آخر صفرها. فدفن عند قبر الرشيد ، واغتمّ المأمون لموته. ثم كتب إلى بغداد يعلمهم إنّما نقموا عليه بيعته لعليّ بن موسى وها هو قد مات. فجاوبوه بأغلظ جواب (٣).

ولما قدم المأمون الرّيّ أسقط عنها ألف (٤) ألف درهم.

* * *

__________________

(١) في الأصل : «بن الحسين الجعفي».

(٢) في الأصل : «وبشير العبديّ» ، والتصحيح من المعرفة والتاريخ ١ / ١٩٥.

(٣) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦٨ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥١ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٧ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢١٠.

(٤) هكذا في الأصل ، وفي تاريخ الطبري ٨ / ٥٨٦ : «ألفي ألف درهم».

١٣

وفيها مرض الحسن بن سهل مرضا شديدا ، وأعقبه السوداء ، وتغيّر عقله حتّى ربط وحبس. وكتب قوّاده بذلك إلى المأمون ، فأتاهم الخبر أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله ، وها أنا قادم إليكم (١).

* * *

[الخلاف بين ابن المهديّ وعيسى بن محمد]

وأمّا عيسى بن محمد بن أبي خالد فشرع بمكاتبة حميد ، والحسن بن سهل سرّا. وبقي إبراهيم بن المهديّ كلّما لحّ عليه في الخروج إلى المدائن لقتال حميد يعتلّ عليه بأرزاق الجند مرّة ، وحتّى يستغلّوا مرة. حتّى إذا توثّق بما يريد ممّا بينه وبين حميد والحسن فارقهم ، وكان قد ناوشهم بعض القتال في الصّورة ، ثم وعدهم أن يسلّم إليهم إبراهيم بن المهديّ. فلما وصل بغداد قال للنّاس : إنّي قد سالمت حميدا وضمنت له أن لا أدخل عمله ولا يدخل عملي.

ثم خندق على باب الجسر وباب الشّام. فبلغ إبراهيم ما هو فيه فحذر (٢).

وقيل : إنّ الّذي نم إليه هارون أخو عيسى ، فطلبه إبراهيم ، فاعتلّ عليه عيسى. ثم ألح عليه في المجيء ، فأتاه ، فحبسه بعد معاتبة بينهما ، وبعد أن ضربه وحبس (٣) معه عدّة من قوّاده في آخر شوّال. فمضى بقيّة أصحابه ومواليه بعضهم إلى بعض ، وحرّضوا إخوته على إبراهيم بن المهديّ ، فتجمّعوا ، وكان رأسهم عبّاس نائب عيسى ، فطردوا كلّ عامل لإبراهيم في الكرخ وغيره. ثم كثروا على عامل باب الجسر وطردوه. فدخل إلى إبراهيم وقطع الجسر. ثم ظهر الأوباش والشّطّار (٤).

وكتب عيسى إلى حميد يحثه على المجيء ليتسلّم بغداد. ولم يصلّوا جمعة بل ظهرا. فقدم حميد وخرج للقيّه عبّاس وقوّاد أهل بغداد ، فوعدهم

__________________

(١) الطبري ٨ / ٥٦٨ ، ٥٦٩ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٧ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٤.

(٢) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦٩ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥١ ، ٣٥٢.

(٣) حتى هنا من «تاريخ الإسلام» للمؤلّف ، والآتي من «المنتقى» لابن الملّا ، لوجود خرم في نسخة الأصل للمؤلف.

(٤) تاريخ الطبري ٨ / ٥٦٩ ، ٥٧٠ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٧ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥٢ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢٤٩.

١٤

ومنّاهم وأن ينجز لهم العطاء على أن يصلّوا الجمعة فيدعون للمأمون ، ويخلعوا إبراهيم ، فأجابوه.

فبلغ إبراهيم بن المهديّ الخبر ، فأخرج عيسى من الحبس ، وسأله أن يكفيه أمر حميد ، فأبى عليه.

فلمّا كان يوم الجمعة بعث عبّاس إلى محمد بن أبي رجاء الفقيه فصلّى بالناس ودعا للمأمون ، ووصل حميد إلى الياسريّة (١) ، فعرض بعض الجند وأعطاهم الخمسين درهما الّتي وعدهم بها ، فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة لأنهم تشاءموا لما أعطاهم عليّ بن هشام خمسين خمسين ، فغدرهم وقطع العطاء عنهم. فقال حميد : بل أزيدكم عشرة عشرة وأعطيكم ستّين.

فدعا إبراهيم عيسى ، وسأله أيضا أن يقابل حميدا فأجابه ، فخلّى سبيله وضمن عليه. فكلّم عيسى الجند أن يعطيهم كعطاء حميد فأبوا عليه. فعبر إليهم هو وإخوته إلى الجانب الغربيّ وقال : أزيدكم عن عطاء حميد. فسبّوه ، وقالوا : لا نريد إبراهيم.

فدخل عيسى وأصحابه المدينة وأغلقوا الأبواب ، وصعدوا السّور وقاتلوا ساعة. ثم انصرفوا إلى ناحية باب خراسان ، فركبوا في السفن.

وردّ عيسى كأنّه يريد مقاتلتهم ، ثم احتال حتّى صار في أيديهم شبه الأسير ، فأخذ بعض قوّاده فأتى به منزله ، ورجع فرقة إلى إبراهيم فأخبروه بأسر عيسى ، فاغتمّ.

وكان قد ظفر في هذه الليالي بالمطّلب بن عبد الله وحبسه ثلاثة أيّام ، ثم إنّه خلّى عنه (٢).

وكان الناس يذكرون أنّ إبراهيم قد قتل سهل بن سلامة المطّوّعيّ ، وإنّما هو في حبسه. فأخرجه إبراهيم ، فكان يدعو الناس في مسجد الرّصافة إلى

__________________

(١) الياسريّة : قرية كبيرة على ضفّة نهر عيسى ، بينهما وبين بغداد ميلان. منسوبة إلى رجل اسمه ياسر. (معجم البلدان ٥ / ٤٢٥).

(٢) تاريخ الطبري ٨ / ٥٧٠ ، ٥٧١ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥٣ ، ٣٥٤.

١٥

إبراهيم بالنّهار. فإذا كان الليل ردّه إلى حبسه. فأتاه أصحابه فأتاه أصحابه ليكونوا معه فقال :

الزموا بيوتكم فإنّي أداري إبراهيم.

ثم إن إبراهيم خلّى سبيله في أول ذي الحجّة ، فذهب واختفى. فلما رأى إبراهيم تفرّق الجيش عليه أخرج جميع من عنده للقتال فالتقوا على جسر نهر ديالى فاقتتلوا ، فهزمهم حميد. فقطعوا الجسر وراءهم (١).

[اختفاء إبراهيم بن المهديّ]

ولما كان يوم الأضحى امر إبراهيم بن المهديّ القاضي أن يصلّي بالناس في عيساباذ (٢). فلما انصرف الناس من صلاتهم اختفى الفضل بن الربيع ، ثم تحوّل إلى حميد ، وتبعه على ذلك عليّ [بن] ريطة ، وأخذ الهاشميّون والقوّاد يتسلّلون إلى حميد ، فأسقط في يد إبراهيم وشقّ عليه. وبلغه أنّ من بقي عنده من القوّاد يعملون على قبضه. فلمّا جنّه اللّيل اختفى لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجّة ، وبقي مختفيا مدّة سنتين (٣).

وأمّا سهل بن سلامة فأحضره حميد بن عبد الحميد وأكرمه ، وحمله على بغل وردّه إلى داره. فلمّا قدم المأمون أتاه فأجازه ووصله ، وأمره أن يجلس في منزله (٤).

وكانت أيّام إبراهيم سنتين إلّا بضعة عشر يوما (٥).

[وصول المأمون إلى همدان]

ووصل المأمون إلى همدان في آخر السنة (٦).

__________________

(١) الطبري ٨ / ٥٧١ ، ٥٧٢ ، ابن الأثير ٦ / ٣٥٤ ، ٣٥٥.

(٢) عيساباذ : معنى باذ العمارة ، فكأن معناه عمارة عيسى ، ويسمّون العامر آبادان. وهذه محلّة كانت بشرقيّ بغداد منسوبة إلى عيسى بن المهديّ. وبها بني المهديّ قصره الّذي سمّاه قصر السلام. (معجم البلدان ٤ / ١٧٢ ، ١٧٣).

(٣) تاريخ تاريخ الطبري ٨ / ٥٧٢ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥٤ ، ٣٥٥.

(٤) الطبري ٨ / ٥٧٢ ، ٥٧٣ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٥٤.

(٥) الطبري ٨ / ٥٧٣ ، الكامل ٦ / ٣٥٥.

(٦) الطبري ٨ / ٥٧٣.

١٦

سنة أربع ومائتين

[وصول المأمون إلى النهروان]

فيها وصل المأمون إلى النّهروان ، فتلقّاه بنو هاشم والقوّاد.

[العودة إلى لبس السّواد]

وقدم عليه من الرّقّة بإذنه طاهر بن الحسين ، ودخل بغداد في نصف صفر. ولباسهم وأعلامهم خضر. فنزل الرّصافة ، وبعد ثمانية أيّام كلّمه بنو هاشم العبّاسيون وقالوا له : يا أمير المؤمنين ، تركت لبس آبائك وأهل دولتك ولبست الخضرة. وكاتبه قوّاد خراسان في ذلك (١).

وقيل : إنّه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله له حوائجه فقال : أسأل طرح الخضرة ، ولبس السّواد زيّ آبائك (٢).

ثمّ جلس يوما وعليه الثياب الخضر ، فلمّا اجتمع الملأ دعا بسواد فلبسه ، ثمّ دعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرا ، ثمّ ألبس عدّة قوّاده أقبية وقلانس سوداء ، فطرح الناس الخضرة ومزّقت. وأسرعوا إلى لبس السّواد (٣).

* * *

__________________

(١) بغداد لابن طيفور ٢ ، تاريخ الطبري ٨ / ٥٧٤ ، ٥٧٥ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٨ ، ٣٥٩ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥٧.

(٢) بغداد لابن طيفور ١٥ ، الطبري ٨ / ٥٧٥ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢١١.

(٣) تاريخ خليفة ٤٧٢ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٥٣ ، ٤٥٤ ، بغداد لابن طيفور ٣ ، تاريخ الطبري ٨ / ٥٧٥ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٥٩ ، مروج الذهب ٤ / ٢٩ ، الإنباء في تاريخ الخلفاء ٩٩ ، البدء والتاريخ ٦ / ١١١ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢١١ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥٧ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٢٦ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢٥٠ ، الفخري ٢١٩ ، تاريخ حلب للعظيميّ ٢٤٢ ، مآثر الإنافة ١ / ٢١١ ، ٢١٢ ، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٥٠ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٥ ، تاريخ الخلفاء ٣٠٧.

١٧

[ولاية يحيى بن معاذ الجزيرة]

وفيها ولّى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة ، فواقع بابك الخرّميّ ، فلم يظفر واحد منهم بصاحبه (١).

[الولاية على الكوفة والبصرة]

واستعمل المأمون أبا عيسى ، أخاه ، على الكوفة (٢). واستعمل صالحا أخاه أيضا على البصرة (٣).

__________________

(١) تاريخ الطبري ٨ / ٥٧٦ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٥٨.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٥٤ ، ٤٥٥.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٤٥٤ ، تاريخ الطبري ٣٧٦.

١٨

سنة خمس ومائتين

[استعمال طاهر بن الحسين على خراسان]

فيها استعمل المأمون على جميع خراسان والمشرق طاهر بن الحسين (١). فسار إلى عمله في ذي القعدة ، وأعطاه عشرة آلاف ألف درهم.

[ولاية ابن طاهر الجزيرة]

وكان ولده عبد الله بن طاهر قد قدم على المأمون من الرّقّة بعد أبيه ، فولّاه الجزيرة (٢).

[ولاية عيسى بن محمد آذربيجان وأرمينية]

وولّى على آذربيجان وأرمينية عيسى بن محمد بن أبي خالد ، وأمره بقتال بابك (٣).

[استعمال بشر بن داود على السّند]

واستعلم على السّند بشر بن داود ، على أنّه يحمل إليه في كلّ سنة ألف ألف درهم (٤).

[استعمال الجلودي لمحاربة الزّطّ]

واستعمل على محاربة الزّطّ عيسى بن يزيد الجلوديّ (٥).

* * *

__________________

(١) بغداد لابن طيفور ١٣ ، و ١٧ ، و ٢٩ ، تاريخ الطبري ٨ / ٥٧٧ ، الكامل في التاريخ ٦ /. ٣٦.

نهاية الأرب ٢٢ / ٢١١ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٢٧ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٨.

(٢) بغداد لابن طيفور ١٨ و ٢٩ ، تاريخ الطبري ٨ / ٥٨٠ ، العيون والحدائق ٣ / ٣٦٢ و ٣٦٣ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٦٢ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢١٢ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢٥٥ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٨ ، ١٧٩.

(٣) تاريخ الطبري ٨ / ٥٨٠ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٦٢ ، النجوم الزاهرة ٢ / ١٧٩.

(٤) تاريخ الطبري ٨ / ٥٨٠ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٦٢ ، وفيه «بشير بن داود» وهو غلط.

(٥) تاريخ الطبري ٨ / ٥٨٠ ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٦٢ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢٥٥.

١٩

[الحجّ هذا الموسم]

وحجّ بالنّاس عبيد الله بن الحسن العلويّ أمير الحرمين (١).

__________________

(١) تاريخ خليفة ٤٧٢ ، المعرفة والتاريخ ١ / ١٩٥ ، بغداد لابن طيفور ١٢ ، تاريخ الطبري ٨ / ٥٨٠ ، مروج الذهب ٤ / ٤٠٤ ، تاريخ حلب للعظيميّ ٢٤٣ وفيه «عبد الله بن الحسن» ، الكامل في التاريخ ٦ / ٣٦٢ ، نهاية الأرب ٢٢ / ٢١٢ ، البداية والنهاية ١٠ / ٢٥٥ ، تاريخ أمراء الحجّ ، للدكتور بدري محمد فهد ، دراسة منشورة في مجلّة «المورد» العراقية ، المجلّد ٩ ، العدد ٤ ، سنة ١٩٨١ ، ص ١٨٢.

٢٠