تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٤٢

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٤٢

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ٢
الصفحات: ٦٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٢   الجزء ٣٣   الجزء ٣٤   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحيم

[الطبقة الستّون]

سنة إحدى وتسعين وخمسمائة

[استيلاء مؤيّد الدين على همذان]

أنبأنا ابن البزوريّ قال : في المحرّم وصل الخبر على جناح طائر باستيلاء الوزير مؤيّد الدّين محمد بن القصّاب على همذان ، وضربت الطّبول (١).

[عناية الناصر بالحمام]

قلت : واعتنى الناصر لدين الله هذه المدّة بالحمام اعتناء عظيما.

[انتهاب الريّ]

قال : وولّى مؤيّد الدّين كلّ بلد أميرا ، واجتمع بختلغ إنج (٢) فخلع عليه ، واتّفقا على الخوارزميّة وقتالهم ، فقصد الوزير دامغان وقصد خلتغ إنج الريّ فدخلها وتحصّن بها ، وخالف فيها الوزير فحصره ، ففارقها ختلغ إنج ، ودخلها الوزير وأنهبها عسكر بغداد. ثمّ ولّاها فلك الدّين سنقر النّاصريّ (٣).

[دخول خوارزم شاه همذان]

ثمّ سار فحارب ختلغ إنج ، فانكسر ختلغ إنج ونجا بنفسه ، ورجع الوزير فدخل همذان. فنفّذ خوارزم شاه يعتب على الوزير ، ويتهدّده لما فعل

__________________

(١) الكامل في التاريخ ١٢ / ١١١ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٤٥.

(٢) في الكامل : «قتلغ إينانج».

(٣) البداية والنهاية ١٣ / ١١.

٥

في أطراف بلاده ، فاستعدّ الوزير للملتقى ، فتوفّي دون ذلك ، وجيّش خوارزم شاه ، وقصد همذان ، وحارب العسكر فهزمهم ، ونبش الوزير ليشيع الخبر أنّه قتل في المعركة. ثمّ عاد إلى خراسان (١).

[تأمير كوكج على البهلوانية]

ثمّ إنّ المماليك البهلوانيّة أمّروا عليهم كوكج (٢) ، وملكوا الريّ ، وأخرجوا فلك الدّين سنقر (٣).

[خروج العزيز لأخذ دمشق]

وفيها سار الملك العزيز من مصر ليأخذ دمشق ، فبادر الملك الأفضل منها وساق إلى عمّه العادل ، وهو بقلعة جعبر ، وطلب نجدته ، ثمّ عطف إلى أخيه الظّاهر يستنجده. فساق العادل وسبق الأفضل إلى دمشق ، وقام معهما كبار الأمراء ، فردّ العزيز منهزما ، وسار وراءه العادل والأفضل فيمن معهما من الأسديّة والأكراد ، فلمّا رأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل وقيامهم معه ، خاف أن يملك مصر ، ولا يسلّم إليه دمشق ، فبعث في السّرّ إلى العزيز يأمره بالثّبات ، وأن يجعل على بلبيس من يحفظها ، وتكفّل بأنّه يمنع الأفضل ، فجهّز العزيز النّاصريّة مع فخر الدّين جركس ، فنزلوا ببلبيس ، وجاء الأفضل والعادل فنازلوهم ، فأراد الأفضل مناجزتهم ودخول مصر ، فمنعه العادل من الأمرين وقال : هذه عساكر الإسلام ، فإذا قتلوا في الحرب فمن يردّ العدوّ ، والبلاد بتحكّمك. وأخذ يراوغه.

وجاء القاضي الفاضل في الصّلح ، ووقعت المطاولة ، واستقرّ العادل بمصر عند العزيز ، ورجع الأفضل.

__________________

(١) الكامل ١٢ / ١١١ ، ١١٢.

(٢) يرد : «كوكج» و «كوكجه».

(٣) الكامل ١٢ / ١١٧ ، ١١٨.

٦

هذا ملخّص ما قاله «ابن الأثير» (١).

[تجديد الهدنة]

وفي هذه المدّة جدّد العزيز الهدنة مع ملك الفرنج كندهري ، وزاد في المدّة. ثم لم يلبث كندهري أن سقط من مكان بعكّا فمات ، واختلفت أحوال الفرنج قليلا.

[سوء تدبير الوزير ضياء الدين]

قال ابن واصل (٢) وغيره : لمّا عزم العزيز على قصد الشّام ثانيا ، أشار العقلاء على الملك الأفضل بملاطفة أخيه العزيز ، ولو فعل لصلح حاله ، وأرضى منه العزيز بإقامة السّكّة والخطبة له بدمشق ، لكن قبل ما أشار به وزيره الضّياء بن الأثير ، من اعتصامه بعمّه العادل والالتجاء إليه ، وكان ذلك من فاسد الرأي ، حتّى استولى عمه على الأمر ، وغلب على السّلطنة.

[إقبال الأفضل على الزهد]

ولمّا رجع الأفضل من بلبيس أقبل أيضا على الزّهد والعبادة وفوّض الأمور إلى ابن الأثير ، فاختلّت به غاية الاختلال (٣).

[قدوم ابن شملة بغداد]

وفيها قدم بغداد شمس الدّين عليّ بن سوسيان بن شملة ، ومعه نساء أبيه وجواريه ، فتلقّى بالموكب الشّريف. وكان صبيّا بديع الجمال ، تضرب بحسنة الأمثال (٤).

__________________

(١) في الكامل في التاريخ ١٢ / ١١٨ ـ ١٢٠ ، وانظر : مفرّج الكروب ٣ / ٥٠ ـ ٥٤ ، وزبدة الحلب ٣ / ١٣٣ ـ ١٣٥ ، والمختصر ٣ / ٩١ ، والدرّ المطلوب ١٢٧ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ١١١ ، والعسجد المسبوك ٢٣٤ ، ٢٣٥ ، ومرآة الجنان ٣ / ٤٧٣ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١١ ، وتاريخ ابن خلدون ٥ / ٣٣١ ، ٣٣٢ ، وتاريخ ابن سباط ١ / ٢١٧ ، وتاريخ ابن الفرات ج ٤ ق ٢ / ١٠٣ ـ ١٠٦.

(٢) في مفرّج الكروب ٣ / ٤١.

(٣) مفرّج الكروب ٣ / ٥٥ ، تاريخ ابن الفرات ج ٤ ق ٢ / ١٣٠ ، البداية والنهاية ١٣ / ١١.

(٤) مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٤٥.

٧

وقال أبو شامة (١) : فيها قدم العزيز إلى الشّام أيضا ونزل على الغوار ، ثمّ رحل إلى مصر لمّا سمع بقدوم العساكر مع عمّه العادل وأخيه الأفضل ، فتبعاه إلى مصر ، وخرج القاضي الفاضل فأصلح الحال ، فدخل العادل مصر مع العزيز وأقام عنده ، وردّ الملك الأفضل إلى دمشق.

[وقعة الزّلّاقة بالمغرب]

وفيها كانت بالمغرب وقعة الزّلّاقة ، وكانت ملحمة عظيمة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، وبين الفنش (٢) ملك طليطلة لعنه الله تعالى.

كان الفنش قد استولى على عامّة جزيرة الأندلس ، وقهر ولاتها ، وكان يعقوب ببرّ العدوة مشغولا عن نصرة أهل الأندلس بالخوارج الخارجين عليه ، وبين الأندلس وبين سبتة كان أدقّ ما يكون من عرض البحر ، وعرضه ثلاثة فراسخ ، ويسمى العدوة ، وزقاق سبتة ، وغير ذلك. ومنه دخل المسلمون في المراكب لمّا افتتحوا الأندلس في دولة الوليد بن عبد الملك. واستصرى الفونش واستفحل أمره ، واتّسع ملكه ، وكتب إلى يعقوب ينخّيه في الدّخول إليه ، فأخذته حميّة الإسلام ، وسار فنزل على زقاق سبتة ، وجمع المراكب ، وعرض جيوشه ، فكانوا مائة ألف مرتزقة ، ومائة ألف مطوّعة ، وعدّوا كلّهم ، ووصل إلى موضع يقال له «الزّلّاقة» ، وجاءه الفنش في مائتي ألف وأربعين ألفا ، فالتقوا ، فنصر الله دينه ، ونجا الفونش في عدد يسير إلى طليطلة ، وغنم المسلمون غنيمة لا تحصى.

قال أبو شامة (٣) : كان عدّة من قتل من الفرنج مائة ألف وستّة وأربعين ألفا ، وأسر ثلاثون ألفا ، وأخذ من الخيام مائة ألف خيمة وخمسون ألفا ، ومن

__________________

(١) في ذيل الروضتين ٧.

(٢) وهو ألفونس الثامن.

(٣) في ذيل الروضتين ٧ ، ٨.

٨

الخيل ثمانون ألف رأس ، ومن البغال مائة ألف ، ومن الحمير أربعمائة ألف حمار ، تحمل أثقالهم ، لأنّهم لا جمال عندهم ، ومن الأموال والجواهر والقماش ما لا يحصى.

قال : وبيع الأسير بدرهم ، والسّيف بنصف ، والحصان بخمسة دراهم ، والحمار بدرهم. وقسّم يعقوب الملقّب بأمير المؤمنين الغنائم على مقتضى الشّريعة فاستغنوا للأبد.

وأمّا الفنش فوصل بلده على أسوأ حال ، فحلق رأسه ونكّس صليبه ، وآلى أن لا ينام على فراشه ولا يقرب النّساء ، ولا يركب حتّى يأخذ بالثّأر. وأقام يجمع من الجزائر والبلاد ويستعدّ.

قال : وقيل إنّما كانت هذه الوقعة في سنة تسعين ، وهذا وهم ، إنّما كانت في سنة إحدى وتسعين في تاسع شعبان (١).

__________________

(١) انظر عن (وقعة الزلّاقة) في : الكامل في التاريخ ١٢ / ١١٣ ـ ١١٦ ، وتاريخ مختصر الدول ٢٢٤ ، وذيل الروضتين ٧ ، ٨ ، ومرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٤٦ ـ ٤٤٨ ، و ٤٤٩ ، والمختصر ٣ / ٩١ ، والدرّ المطلوب ١٢٧ ، ودول الإسلام ٢ / ١٠٢ ، ١٠٣ ، ومرآة الجنان ٣ / ٤٧٢ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٠ ، ١١ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ١١١ ، وتاريخ ابن الفرات ج ٤ ق ٢ / ١٢٧ ـ ١٣٠ ، والنجوم الزاهرة ٦ / ١٣٧ ، ١٣٨ ، وتاريخ ابن سباط ١ / ٢١٦ ، وشذرات الذهب ٤ / ٣٠٦.

٩

سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة

[نيابة ابن البخاري بالوزارة]

فيها استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن عليّ البخاريّ (١).

[ولاية طاشتكين خوزستان]

وفيها أفرج عن الأمير مجير الدّين طاشتكين الحاجّ ، وولّي مملكة بلاد خوزستان ، ووسم بالملك ، وأنعم عليه بكوسات (٢) وأعلام.

[دخول العزيز وعمّه دمشق]

وقال أبو شامة (٣) : وفيها قدم الملك العزيز ثالثا إلى الشّام ومعه عمّه الملك العادل.

قلت : فحاصرا دمشق مدّة يسيرة ، ووقعت المخامرة من عسكر دمشق ففتحوا الأبواب ، ودخل العزيز والعادل في رجب.

قال ابن الأثير (٤) : كان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بعمّه ، وقد بلغ من وثوقه أنّه أدخله بلده وهو غائب عنه. وقد كان أرسل إليه أخوه

__________________

(١) خلاصة الذهب المسبوك ٢٨٣ ، مختصر التاريخ لابن الكازروني ٢٥٠.

(٢) الكوسات : صنوجات من نحاس تشبه الترس الصغير قال القلقشندي : والّذي يضرب بالصنوج النحاس بعضها على بعض الكوسيّ. (صبح الأعشى ٤ / ٩ و ١٣).

(٣) في ذيل الروضتين ٩.

(٤) في الكامل ١٢ / ١٢٢ ، ١٢٣.

١٠

الظّاهر يقول : أخرج عمّنا من بيننا ، فإنّه لا يجيء علينا منه خير ، وأنا أعرف به منك ، وأنا زوج ابنته.

فردّ عليه الأفضل : أنت سيّئ الظّنّ ، وأيّ مصلحة لعمّنا في أن يؤذينا؟

ولمّا تقرّر العادل بمصر استمال الملك العزيز ، وقرّر معه أن يخرج إلى دمشق ، ويملك دمشق ويسلّمها إليه ، فسار معه وقصدوها ، واستمالوا أميرا فسلّم إليهم باب شرقيّ ، وفتحه ودخل منه العادل ووقف العزيز بالميدان (١).

فلمّا رأى الأفضل أنّ البلد قد ملك ، خرج إلى أخيه ودخل به البلد ، واجتمعا بالعادل وقد نزلا في دار أسد الدّين شيركوه ، فبقيا أياما كذلك ، ثمّ أرسلا إلى الأفضل ليتحوّل من القلعة ، فخرج وسلّم القلعة إلى أخيه (٢).

قلت : رجع العزيز إلى مصر ، وأقام العادل بدمشق ، فتغلّب عليها ، وأخرج أولاد أخيه صلاح الدّين عنها ، وأنزل الأفضل في صرخد.

وقال أبو شامة (٣) : انفصل الحال على أن خرج الأفضل إلى صرخد ، وتسلّم البلد الملك العزيز ، وسلّمها إلى عمه ، وأسقط ما فيها من المكوس ، وبقيت بها الخطبة والسّكّة باسم الملك العزيز.

وقال في «الروضتين» (٤) : فيها نزل العزيز بقلعة دمشق ، ودخل هو وأخوه الأفضل متصاحبين إلى الضّريح النّاصريّ ، وصلّى الجمعة عند ضريح والده. ودخل دار الأمير سامة في جوار التّربة ، وأمر القاضي محيي الدّين أن يبنيها مدرسة للتربة ، فهي المدرسة العزيزيّة. ووقف عليها قرية محجّة.

__________________

(١) هو الميدان الأخضر ، كما في الكامل ١٢ / ١٢٢.

(٢) الكامل ١٢ / ١٢١ ـ ١٢٣ ، مفرّج الكروب ٣ / ٦٢ ـ ٧٠ ، المختصر ٣ / ٩٢ ، الدرّ المطلوب ١٢٨ ، العسجد المسبوك ٢٣٧ ، تاريخ ابن الوردي ٢ / ١١١ ، دول الإسلام ٢ / ١٠٣ ، مرآة الجنان ٣ / ٤٧٣ ، البداية والنهاية ١٣ / ١٢ ، تاريخ ابن خلدون ٥ / ٢٣٢ ، السلوك ج ١ ق ١ / ١٢٩ ، تاريخ ابن سباط ١ / ٢١٧ ، ٢١٨.

(٣) في الذيل على الروضتين ١٠.

(٤) ص ١٠.

١١

قلت : ما أحسن قول ملك البلاغة القاضي الفاضل رحمه‌الله ورضي عنه : أمّا هذا البيت فإنّ الآباء منه اتّفقوا فملكوا ، وأنّ الأبناء منه اختلفوا فهلكوا ، إذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه ، وإذا خرق ثوب فما يليه إلّا تمزيقه ، وإذا كان الله مع خصم فمن يطيقه؟

قال أبو شامة (١) : وأخذت قلعة بصرى من الملك الظّافر خضر ابن صلاح الدّين ، أخذها أخوه.

[هبوب ريح سوداء]

قال : وفيها بعد خروج النّاس من مكّة هبّت ريح سوداء عمت الدنيا ، ووقع على الناس رمل أحمر ، ووقع من الركن اليمانيّ قطعة ، وتجرّد البيت مرارا (٢).

[طلب خوارزم شاه السلطنة ببغداد]

ومن خبر خوارزم شاه أنّه كان قد قطع نهر جيحون في خمسين ألفا ، ثمّ وصل همذان وشحن على البلاد إلى باب بغداد ، وبعث إلى الخليفة يطلب السّلطنة ، وإعادة دار السّلطنة إلى ما كانت ، وأن يجيء إلى بغداد ، وأن يكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السّلجوقيّة. فانزعج الخليفة وأهل بغداد ، وغلت الأسعار.

[حصار طليطلة]

قال (٣) : وفيها كانت وقعة أخرى ليعقوب بن يوسف مع الفنش. وكان الفنش قد حشد وجمع جمعا أكثر من الأوّل ، ووقع المصاف ، فكسره

__________________

(١) في ذيل الروضتين ١٠.

(٢) الكامل ١٢ / ١٢٣ ، ذيل الروضتين ١٠ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٤٨ ، ٤٤٩ ، البداية والنهاية ١٣ / ١٢.

(٣) القائل أبو شامة في ذيل الروضتين ٨.

١٢

يعقوب ، وساق خلفه إلى طليطلة ونازلها ، وضربها بالمنجنيق ، وضيّق عليها ، ولم يبق إلّا أخذها ، فخرج إليه والدة الفنش وبناته وحريمه ، وبكين بين يديه ، وسألنه إبقاء البلد عليهنّ ، فرقّ لهنّ ومنّ عليهنّ بالبلد. ولو فتح طليطلة لفتح إلى مدينة النّحاس.

وعاد إلى قرطبة وقسّم الغنائم ، وصالح الفنش مدّة (١).

وقيل : إنّ هذه الوقعة كانت في سنة إحدى وتسعين.

وفيها وفي الّتي قبلها عاث ابن غانية الملثّم ، وخلت له إفريقية ، وكان بالبرّيّة مع العرب ، فعاود إفريقية ، وخرّبت عساكره البلاد. فلهذا صالح يعقوب الفرنج ورجع إلى المغرب لحرب الملثّم.

__________________

(١) الكامل ١٢ / ١١٣ ـ ١١٦ ، ذيل الروضتين ٧ ، ٨ ، المختصر ٣ / ٩١ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٤٩ ، الدرّ المطلوب ١٢٧ ، دول الإسلام ٢ / ١٠٢ ، ١٠٣ ، تاريخ ابن الوردي ٢ / ١١١ ، مرآة الجنان ٣ / ٤٧٢ ، تاريخ مختصر الدول ٢٢٤ ، البداية والنهاية ١٣ / ١٠ ، ١١ ، النجوم الزاهرة ٦ / ١٣٧ ، ١٣٨ ، تاريخ ابن سباط ١ / ٢١٧ ، شذرات الذهب ٤ / ٣٠٦.

١٣

سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة

[إكرام أبي الهيجاء السمين ببغداد]

فيها وصل الأمير أبو الهيجا الكرديّ ، المعروف بالسّمين. كان مفرط السّمن ، ومن أعيان أمراء الشّام. ترك خدمة الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين وقدم بغداد ، فتلقّى وأكرم ، وبالغوا في احترامه (١).

[اعتقال أبي الهيجاء]

ثمّ جرت من أجناده ناقصة لمّا جرّدوا وحاربوا عسكر الدّيوان ، فكان هو ببغداد فاعتقل (٢).

[سلطنة العزيز بمصر والشام]

وفيها خطب وضربت السّكّة للملك العزيز ، كما خطب له عام أوّل بدمشق ، وتمّت له سلطنة مصر والشّام ، مع كون عمّه العادل صاحب دمشق ، وأخيه صاحب حلب (٣).

[قطع بركة المسافة من واسط إلى بغداد]

وفي جمادى الآخرة جرى بركة السّاعي من واسط إلى بغداد في يوم وليلة ، وهذا لم يسبق إلى مثله ، وخلع عليه خلع سنيّة ، وحصل له مال (٤).

__________________

(١) الكامل ١٢ / ١٢٥ ، مفرّج الكروب ٣ / ٧٠ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٥٢.

(٢) لم يذكر ابن الأثير أن أبا الهيجاء اعتقل. انظر الكامل ١٢ / ١٢٥ ، ومفرّج الكروب ٣ / ٧٠.

(٣) مفرّج الكروب ٣ / ٦٩.

(٤) تقدّم خبر عنه في سنة ٥٨٧ ه‍.

١٤

[وفاة أبي الهيجاء]

ثم خلع على أبي الهيجاء السّمين ، وأمر أن ينزل بهمذان ، وتوفّي بعد شهر (١).

[توجّه الرسول إلى غزنة]

وفيها توجّه مجير الدّين الحسن بن الربيع رسولا إلى شهاب الدّين الغوريّ صاحب غزنة.

[انقضاض كوكب]

أنبأنا ابن البزوريّ قال : وانقضّ في شوّال كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل ، واهتزّت الدّور والأماكن ، فاستغاث الناس ، وأعلنوا بالدّعاء ، وظنّوا ذلك من أمارات القيامة (٢).

[مقتل ملك اليمن]

قال : وفيها ملك إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بلد اليمن بعد أبيه ، وأساء في ولايته ، وادّعى أنّه قرشيّ ، وخطب لنفسه ، وتسمّى بالهادي ، ثمّ قتل (٣).

[فتح يافا]

قال أبو شامة (٤) : وفي شوّالها فتح العادل يافا عنوة وأخربها ، وكان قد

__________________

(١) الكامل ١٢ / ١٢٥ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٥٨ ، ٤٥٩ (في المتوفين سنة ٥٩٤ ه‍.) ، البداية والنهاية ١٣ / ١٥.

(٢) انظر البداية والنهاية ١٣ / ١٣ ، ١٤.

(٣) الكامل ١٢ / ١٢٩ ، ١٣٠ ، مفرّج الكروب ٣ / ٧٢ و ٧٣.

(٤) في ذيل الروضتين ١٠.

١٥

أتاها أربعون فارسا نجدة ، فلمّا عاينوا الغلبة دخلوا الكنيسة وأغلقوا بابها ، ثمّ قتل بعضهم بعضا ، فكسر المسلمون الباب فوجدوهم صرعى ، وهذا ثالث فتح لها ، لأنّها فتحت أيّام بيت المقدس ، ثمّ استرجعها الإنكتير ، ثمّ أخذها ثاني مرّة صلاح الدّين ، ثمّ افتتحها في هذا الوقت الملك العادل ، ثمّ ملكتها الفرنج ، ثمّ افتتحها السّلطان الملك النّاصر رابعا ، ثمّ خرّبت (١).

[كتاب الفاضل يصف البرق والريح]

كتب الفاضل إلى محيي الدّين بن الزّكيّ يقول : «وممّا جرى من المعضلات بأس من الله طرق ونحن نيام ، وظنّ النّاس أنّه اليوم الموعود ، ولا يحسب المجلس أنّي أرسلت القلم محرّفا ، والقول مجزّفا ، فالأمر أعظم ، ولكنّ الله سلّم. إنّ الله تعالى أتى بساعة كالسّاعة ، كادت تكون للدّنيا السّاعة ، في الثّلث الأوّل من ليلة الجمعة تاسع عشر (٢) جمادى الآخرة ، أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة ، ورياح عاصفة ، قوي الهواء (٣) بها ، واشتدّ هبوبها (٤) ، وارتفعت لها صعقات (٥) ، فرجفت الجدران ، واصطفقت ، وتلاقت على بعدها ، واعتنقت ، وثار عجاج (٦) ، فقيل : لعلّ هذه قد انطبقت (٧). وتوالت البروق على نظام ، فلا يحسب إلّا أنّ جهنّم قد سال منها واد ، وزاد

__________________

(١) الكامل في التاريخ ١٢ / ١٢٦ ، مفرّج الكروب ٣ / ٧٥ ، الأعلاق الخطيرة ٢ / ٢٥٦ ، ذيل الروضتين ١٠ ، ١١ ، الدرّ المطلوب ١٣٠ ، دول الإسلام ٢ / ١٠٣ ، مرآة الجنان ٣ / ٤٧٥ ، السلوك ج ١ ق ١ / ١٠٤ ، تاريخ ابن سباط ١ / ٢١٨ و ٢٢١ ، المختصر ٣ / ٩٣ ، تاريخ ابن الوردي ٢ / ١١٢ ، تاريخ ابن خلدون ٥ / ٣٣٣ ، شفاء القلوب ٢٠٤ ، تاريخ ابن الفرات ج ٤ ق ٢ / ١٣٤ (حوادث سنة ٥٩٤ ه‍.).

(٢) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ «في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة».

(٣) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ «قوي الجو».

(٤) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ بعدها : «قد أثبت لها أعنّة مطلقات».

(٥) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ «صفقات».

(٦) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ «وثار السماء والأرض عجاجا».

(٧) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ «حتى قيل إن هذه على هذه قد انطبقت».

١٦

عصف الريح إلى أن تغطّت النّجوم (١) ، وكانت تسكن وتعود عودا عنيفا ، ففرّ النّاس والنّساء والأطفال ، وخرجوا من دورهم لا يستطيعون حيلة ، ولا يهتدون سبيلا ، بل يستغيثون ربّهم ، ويذكرون دينهم. ولا يستغربون العذاب ، لأنّهم على موجباته مصرّون وفي وقت وقوع واقعاته باستحقاقه مقرّون ، معتصمين بالمساجد الجامعة ، وملتقين الآية النّازلة من السّماء بالأعناق الخاضعة ، بوجوه عانية ، ونفوس عن الأموال والأهل سالية. قد انقطعت من الحياة علقهم ، وعميت عن النّجاة طرقهم ، فدامت إلى الثّلث الأخير ، وأصبح كلّ يسلّم (٢) على رفيقه ، ويهنّيه بسلامة طريقه ، ويرى أنّه بعث بعد النّفخة ، وأفاق بعد الصّرخة (٣). وتكسّر عدّة مراكب في البحار ، وتقلّعت الأشجار الكبار ، ومن كان نائما في الطّرق من المسافرين دفنته الرّيح حيّا ، وركب فما أغنى الفرار شيئا ، والخطب أشقّ ، وما قضيت بعض الحقّ. فما من عباد الله من رأى القيامة عيانا إلّا أهل بلدنا ، فما اقتصّ الأوّلون مثلها في المثلات ، والحمد لله الّذي جعلنا نخبر عنها ولا تخبر عنّا». في كلام طويل (٤).

[أخذ الفرنج بيروت]

وفيها أخذت الفرنج بيروت ، وكان أميرها الأمير عزّ الدّين سامة لمّا سمع بوصول العدوّ إلى صيدا هرب ، فملكها الفرنج ثاني يوم. وفيه صنّف :

سلّم الحصن ما عليك ملامه

ما يلام الّذي يروم السّلامه

فعطاء الحصون من غير حرب (٥)

سنّة سنّها ببيروت سامه (٦)

__________________

(١) في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ «إلى أن أطفأ سرج النجوم».

(٢) في البداية والنهاية ١٣ / ١٤ «مسلم».

(٣) في البداية والنهاية ١٣ / ١٤ «بعد الصيحة والصرخة».

(٤) النص في البداية والنهاية ١٣ / ١٣ ، ١٤ باختلاف وزيادة.

(٥) وفي رواية :

إنّ أخذ الحصون لا عن قتال

(٦) البيتان لأحد الدماشقة وقد زاد بيتا ثالثا :

١٧

__________________

= أبعد الله تاجرا سنّ ذا البيع

وأخزى بخزيه من أسامه

والأبيات والخبر في :

الكامل في التاريخ ١٢ / ١٢٧ ، والروضتين ٢ / ٢٣٣ ، والذيل ١١ ، ومفرّج الكروب ٣ / ٧٤ ، ومرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٥٣ ، والأعلاق الخطيرة ٢ / ١٠٣ ٢ / ١٠٣ ، وزبدة الحلب ٣ / ١٤١ ، وتاريخ مختصر الدول ٢٢٥ ، والعسجد المسبوك ٢٤٠ ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ٩٣ ، ودول الإسلام ٢ / ١٠٣ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ٨٢ ، ومرآة الجنان ٣ / ٤٧٥ ، والبداية والنهاية ١٣ / ١٥ ، وتاريخ ابن خلدون ٥ / ٣٣٣ ، والسلوك ج ١ ق ١ / ١٤٠ ، وتاريخ بيروت لصالح بن يحيى ٢١ ، وشفاء القلوب ٢٠٣ ، ٢٠٤ ، وتاريخ ابن سباط (بتحقيقنا) ١ / ٢١٩ ، ٢٢٠ ، وتاريخ ابن الفرات ج ٤ ق ٢ / ١٣٣ وفيه اختلاف في لفظ الأبيات.

١٨

سنة أربع وتسعين وخمسمائة

[نزول الفرنج على تبنين]

فيها نزلت الفرنج على تبنين ، وقدم منهم جمع كبير في البحر ، فانتشروا بالسّاحل ، وكثروا ، وخاف النّاس ، فنفّذ الملك العادل صاحب دمشق القاضي محيي الدّين إلى صاحب مصر الملك العزيز مستصرخا ، فجاء العزيز ، فترحّل الفرنج بعد أن قرّرت معهم الهدنة خمس سنين وثمانية أشهر (١).

[الحجّ من الشام]

وحجّ بالنّاس من الشّام قراجا (٢).

[ملك خوارزم شاه بخارى]

وفيها ملك علاء الدّين خوارزم شاه ، واسمه تكش بن ايل رسلان بخارى ، وكان لصاحب الخطا ، وجرى له معهم حروب وخطوب ، وانتصر عليهم ، وقتل خلقا منهم ، وساق وراءهم ، ثمّ حاصرهم مدّة ، وافتتحها عنوة ، وعفى عن الرعيّة ، وكان يقع في مدّة الحصار بين الفريقين سبّ. وتقول الخوارزميّة : يا أجناد الكفّار أنتم تعينون الخطا علينا ، أنتم مرتدّة.

__________________

(١) مفرّج الكروب ٣ / ٧٥ ، ٧٦ ، ذيل الروضتين ١٣ ، الدرّ المطلوب ١٣٣ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٥٥ ، ٤٥٦ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ٩٣ ، ٩٤ ، دول الإسلام ٢ / ١٠٤ ، تاريخ ابن الوردي ٢ / ١١٢ ، ١١٣ ، البداية والنهاية ١٣ / ١٦ ، تاريخ ابن خلدون ٥ / ٣٣٣ ، السلوك ج ١ ق ١ / ١٤١ ، شفاء القلوب ٢٠٤ ، تاريخ ابن سباط ١ / ٢٢٢ ، تاريخ ابن الفرات ج ٤ ق ٢ / ١٣٤ ، ١٣٥.

(٢) مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٥٦.

١٩

وكان خوارزم شاه أعور ، فعمد أهل بخارى إلى كلب أعور ، وألبسوه قباء ، ورموه في المنجنيق عليهم ، وقالوا : هذا سلطانكم تكش (١).

[موت أمير القدس]

وفيها مات سنقر الكبير أمير القدس. وولّي بعده صارم الدّين خطلوا الفرّخشاهيّ (٢).

[ملك أرسلان شاه الموصل]

وفيها سار ملك الموصل نور الدّين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود فنازل نصيبين ، وأخذها من ابن عمّه قطب الدّين ، فسار إلى الملك العادل واستجار به ، فسار معه بعسكره ، وقصدا نصيبين ، فتركها أرسلان شاه ، وسار إلى بلده ودخلها ، وعاد قطب الدّين فدخل نصيبين شاكرا للعادل. وأراد الرجوع في خدمته إلى دمشق فردّه.

[منازلة ماردين]

ونازل العادل ماردين ، وحاصرها أشهرا ، وملك ربضها ، ثمّ رحل عنها (٣).

__________________

(١) الكامل ١٢ / ١٣٥ ـ ١٣٨ ، البداية والنهاية ١٣ / ١٦ ، ١٧.

(٢) في مفرّج الكروب ٣ / ٧٦ «ختلج مملوك عزّ الدين فرخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب» ، تاريخ ابن الفرات ج ٨ ق ٢ / ١٣٨.

(٣) الكامل ١٢ / ١٣٨ ، مفرّج الكروب ٣ / ٨٠ ، مرآة الزمان ج ٨ ق ٢ / ٤٥٩.

٢٠