تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٣٩

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٣٩

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٣٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٢   الجزء ٣٣   الجزء ٣٤   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

[الطبقة السابعة والخمسون]

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سنة إحدى وستين وخمسمائة

[الرفض في عاشوراء]

ظهر في أيّام عاشوراء من الرّفض ببغداد أمر عظيم حتّى سبّوا الصّحابة ، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحّلا ضربوه (١).

[وقوع الرّخص]

ووقع الرّخص حتّى أبيعت كارّة الدّقيق بعشرة قراريط (٢).

قال ابن الجوزيّ (٣) : وقد اشتريتها في زمن المسترشد باثنتي عشر دينارا (٤).

[هياج الكرج على بلاد الشام]

وفيها هاجت الكرج على بلاد الإسلام ، وقتلوا وسبوا ، وغنموا ما لا يحصى (٥).

[فتح المنيطرة]

وفيها افتتح نور الدّين حصن المنيطرة (٦).

__________________

(١) المنتظم ١٠ / ٢١٧ (١٨ / ١٧١) ، العبر ٤ / ١٧٤ ، مرآة الجنان ٣ / ٣٤٦ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥١.

(٢) في المنتظم ١٠ / ٢١٨ (١٨ / ١٧١) «باثني عشر قيراطا».

(٣) في المنتظم.

(٤) في الأصل : «دينار».

(٥) الكامل في التاريخ ١١ / ٣٢٣ ، دول الإسلام ٢ / ٧٥ ، العبر ٤ / ١٧٤.

(٦) الكامل في التاريخ ١١ / ٣٢٢ ، التاريخ الباهر ١٣١ ، كتاب الروضتين ج ٢ ق ٢ / ٣٦٠ و ٣٦٧

٥

__________________

= و ٣٦٨ ، زبدة الحلب ٢ / ٣٢٢ ، النوادر السلطانية ٣٨ ، وفيات الأعيان ٧ / ٤٧ ، المغرب في حلى المغرب ١٣٩ ، الكواكب الدرّية ١٦٩ ، والإعلام بتاريخ أهل الإسلام لابن قاضي شهبة (مخطوط) ١١ / ١٦٩ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٣ ، والإعلام والتبيين للحريري ٢٩ ، ودول الإسلام ٢ / ٧٥ وفيه «المنيظرة» ، والعبر ٤ / ١٧٤ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥١ ، والنجوم الزاهرة ٥ / ٣٥٠ ، تاريخ طرابلس السياسي والحضاريّ (تأليفنا) ٥١٤١ ، تاريخ ابن سباط ١ / ١٧. و «المنيطرة» : بضم الميم وفتح النون وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها ، وكسر الطاء المهملة ، وفتح الراء ، وفي الآخر هاء. حصن بجبل لبنان. قال ياقوت : قريب من طرابلس. (معجم البلدان) وأقول : هو بين بعلبكّ وجبيل في جبل المنيطرة المعروف باسمه. وقد ذكر الحريري في (الإعلام والتبيين) أنه حصن قريب من كسروان. فعلّق محقّقه الدكتور مهدي رزق الله أحمد (بالحاشية ٢٢٠) فقال : لم أعثر عليها في كتب البلدان (أي كسروان) ، ولكن يفهم من كتاب (السلوك) أنها من مناطق الدروز ، وأن جبل كسروان متصل بسلسلة جبال لبنان.

ويقول خادم العلم محقق هذا الكتاب «عمر بن عبد السلام تدمري» : إن المنيطرة في قلب جبل لبنان ، وفي القسم الشمالي من كسروان ، وهي ليست من مناطق الدروز. فليصحّح.

٦

سنة اثنتين وستين وخمسمائة

[إرسال العسكر لحرب شملة]

وقع الإرجاف بمجيء شملة التّركمانيّ إلى قلعة الماهكيّ ، وبعث يطلب ويتنطّع (١) ، فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب من البلاد ، وبعث لحربه أكثر عسكر بغداد (٢).

[عودة ركب الحاجّ]

وقدم الرّكب ، وأخبروا بالأمن والرّخص والمياه ، وأنّهم نقضوا القبّة الّتي بنيت بمكّة للمصريّين (٣).

[مشاركة قطب الدين لعمّه نور الدين الغزو]

وفيها قدم قطب الدّين من الموصل للغزو مع عمّه نور الدّين ، فاجتمعا على حمص ، وسارا بالجيوش ، فأغاروا على بلاد حصن الأكراد ، وحاصروا عرقة ، وحاصروا حلبة ، وأخذوا العريمة ، وصافيتا. ثمّ صاموا رمضان بحمص ، وساروا إلى بانياس ، فنازلوا حصن هونين وأحرقوه. وعزم نور الدّين على منازلة بيروت ، فوقع خلف في العسكر ، فعاد قطب الدّين إلى الموصل ، وأعطاه أخوه بلد الرّقّة.

__________________

(١) في المنتظم : «ويقتطع».

(٢) المنتظم ١٠ / ٢٢٠ (١٨ / ١٧٤) ، مرآة الزمان ٨ / ٢٦٨.

(٣) المنتظم ١٠ / ٢٢٠ (١٨ / ١٧٤).

٧

[حريق اللّبّادين]

وفيها ، قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ (١) : احترقت اللّبّادين ، وباب السّاعات (٢) بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا ، رقد طبّاخ هريسة على القدر ونام ، فاحترقت دكّانه ، ولعبت النّار في اللّبّادين ، وتعدّت إلى دور كثيرة ، ونهبت أموال عظيمة ، وأقامت النّار تلعب أيّاما.

[مسير شير كوه إلى مصر]

وفيها كان مسير الأمير أسد الدّين شير كوه المسير الثّاني إلى مصر. جهّز السّلطان نور الدّين المعظّم جيوشه ، وقيل : بل جهّز معه ألفي فارس ، فنزل بالجيزة محاصرا لمصر مدّة نيّف وخمسين يوما ، فاستنجد شاور بالفرنج ، فدخلوا مصر من دمياط لنجدته ، فرحل أسد الدّين من بين أيديهم ، وتقدّم عن منزلته ، ثمّ وقع بينه وبين المصريّين حرب على قلّة عسكره وكثرة عدوّه ، فانتصر فيها أسد الدّين ، وقتل من الفرنج ألوفا وأسر منهم سبعين فارسا (٣).

قال ابن الأثير (٤) : كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرّخ أنّ ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج السّاحليّة.

__________________

(١) في مرآة الزمان ٨ / ٢٧٠ ، وانظر : دول الإسلام ٢ / ٧٥ ، ٧٦.

(٢) باب الساعات : هو الباب الغربي للجامع الأموي ويعرف بباب الزيادة ، سمّي بباب الساعات لأنه كان هناك منكاب الساعات يعلم بها كل ساعة تمضي من النهار ، عليها عصافير من نحاس ، وحيّة من نحاس ، وغراب ، فإذا تمّت الساعة خرجت فصفرت العصافير ، وصاح الغراب وسقطت حصاة. (الدارس في تاريخ المدارس ٢ / ٣٨٦ ، ٣٨٧).

أما اللبّادين فهي محلّة في شرق جامع دمشق مكان النوفرة اليوم وما حولها. (معجم الأماكن الطبوغرافية ، للمنجد) وقد تصحّفت إلى «البلادين» في مرآة الجنان ٣ / ٣٧٠ ، والخبر في : النجوم الزاهرة ٥ / ٣٧٣.

(٣) أخبار الدول المنقطعة ١١٥ ، المختصر في أخبار البشر ٢ / ٤٣ ، مرآة الزمان ٨ / ٢٦٨ ، دول الإسلام ٢ / ٧٦ ، اتعاظ الحنفا ٣ / ٢٨٤.

(٤) في الكامل في التاريخ ١١ / ٣٢٦ ، والتاريخ الباهر ١٣٣ ، والعبر ٤ / ١٧٦ ، ومرآة الجنان ٣ / ٣٧٠.

٨

قلت : صدق والله ابن الأثير ، وهذه تسمّى وقعة البابين ، وهو موضع بالصّعيد ، أدركته فيه الفرنج والمصريّون في جمادى الآخرة من السّنة ، فعمل مشورة ، فأشاروا بالتّعدية إلى الجانب الشّرقي والرجوع إلى الشّام ، وقالوا : إن انهزمنا إلى أين نلتجئ؟ فقال بزغش النّوريّ صاحب الشّقيف (١) : من خاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك ، والله لئن عدنا إلى نور الدّين من غير غلبة ليأخذنّ إقطاعاتنا ويطردنا.

فقال أسد الدّين : هذا رأيي. وقال صلاح الدّين كذلك ، فوافق الأمراء ، ونصبوا للملتقى ، وجعلوا الثّقل في القلب حفظا له وتكثيرا للسّواد ، وأقيم صلاح الدّين في القلب ، وقال له عمّه أسد الدّين : إذا حملوا على القلب فلا تصدقوهم القتال ، وتقهقروا ، فإن ردّوا عنكم فارجعوا على أعقابهم. ثمّ اختار هو طائفة يثق بشجاعتهم ، ووقف في الميمنة ، فحملت الفرنج على القلب ، فناوشوهم القتال ، واندفعوا بين أيديهم على بقيّتهم ، فتبعتهم الفرنج ، فحمل أسد الدّين على باقي الفرنج والمصريّين ، فهزمهم ، ووضع فيهم السّيف. فلمّا عاد الفرنج من حملتهم على القلب رأوا عسكرهم مهزوما ، فولّوا وانهزموا ، ونزل النّصر (٢).

ثمّ سار أسد الدّين إلى الصّعيد ، فجبى خراجها ، وأقام الفرنج بالقاهرة حتّى استراشوا ، وقصدوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدّين يوسف ابن أخي أسد الدّين ، فحاصروها أربعة أشهر ، وقاتل أهلها مع صلاح الدّين أشدّ قتال بجموعه ، فترحّل الفرنج عن الإسكندريّة (٣).

__________________

(١) الشقيف : هو شقيف تيرون ، حصن بجبل عامل شرقيّ صور.

(٢) الكامل في التاريخ ١١ / ٣٢٤ ـ ٣٢٦ ، التاريخ الباهر ١٣٢ ، ١٣٣ ، النوادر السلطانية ٣٧ ، ٣٨ ، زبدة الحلب ٢ / ٣٢٣ ، ٣٢٤ ، كتاب الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٦٥ ، تاريخ الزمان ١٧٨ و ١٧٩ ، أخبار الدول المنقطعة ١١٥ ، مفرّج الكروب ١ / ١٥٢ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٣ ، ٤٤ ، دول الإسلام ٢ / ٧٦ ، العبر ٤ / ١٧٦ ، ١٧٧ ، تاريخ ابن الوردي ٢ / ٧٢ ، مرآة الجنان ٣ / ٣٧٠ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٢ ، ٢٥٣ ، الكواكب الدريّة ١٦٩ ـ ١٧١ ، اتعاظ الحنفا ٣ / ٢٨٢ ـ ٢٨٥ ، تاريخ ابن سباط ١ / ١١٧ ، نهاية الأرب ٢٨ / ٣٣٥ ـ ٣٣٧ ، مرآة الزمان ٨ / ٢٦٨ ، ٢٦٩.

(٣) الكامل ١١ / ٣٢٦ ، التاريخ الباهر ١٣٣ ، ١٣٤ الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٦٥ ، ٣٦٦ و ٣٧٠ ،

٩

[المهادنة بين أسد الدين وشاور]

ثمّ وقعت مهادنة بين أسد الدّين وشاور على أن ينصرف أسد الدّين إلى الشّام ، ويعطى خمسين ألف دينار. فأخذها ورجع (١).

واستقرّ بالقاهرة شحنة للفرنج ، وقطيعة مائة ألف دينار في السّنة (٢).

__________________

= المغرب في حلى المغرب ٩٤ ، نهاية الأرب ٢٩ / ٣٣٧ ، العبر ٤ / ١٧٦ ، ١٧٧.

(١) الكامل ١١ / ٣٢٦ ، التاريخ الباهر ١٣٤ ، نهاية الأرب ٢٨ / ٣٣٧ ، مرآة الزمان ٨ / ٢٦٩. العبر ٤ / ١٧٧ ، مرآة الجنان ٣ / ٣٧٠ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٣.

(٢) الكامل ١١ / ٣٢٧ ، التاريخ الباهر ١٣٤ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٤ ، نهاية الأرب ٢٨ / ٣٣٨ ، مرآة الزمان ٨ / ٢٦٩ ، العبر ٤ / ١٧٧ ، مرآة الجنان ٣ / ٣٧٠ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٣ ، اتعاظ الحنفا ٣ / ٢٨٧ ، النجوم الزاهرة ٥ / ٣٤٩.

١٠

سنة ثلاث وستين وخمسمائة

[امتناع حجّ المصريّين]

لم يحجّ المصريّون لما فيه ملكهم من الويل والاشتغال بحرب أسد الدّين (١).

[رخص الورد ببغداد]

ورخص الورد ببغداد إلى أن أبيع كلّ ثمانين رطلا بقيراط (٢).

[وزارة البلديّ]

وفيها ولّي الوزير شرف الدّين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن البلديّ وزارة المستنجد بالله. وكان ناظرا بواسط (٣).

[مصالحة البهلوان وصاحب مراغة]

وفيها كان حرب ومحاصرة من البهلوان لصاحب مراغة آقسنقر الأحمديليّ. ثمّ وقع الصّلح بعد مصافّ كبير (٤).

[مشيخة الشيوخ]

وفيها ولّي مشيخة الشّيوخ والأوقاف بدمشق ، وحمص ، وحماه : أبو الفتح عمر بن عليّ بن حمّويه.

__________________

(١) المنتظم ١٠ / ٢٢٢ (١٨ / ١٧٦).

(٢) المنتظم ١٠ / ٢٢٢ (١٨ / ١٧٦) وفيه : «بيع الورد مائة رطل بقيراط وحبّة» ، ومثله في : مرآة الزمان ٨ / ٢٧١ ، والنجوم الزاهرة ٥ / ٣٧٦ ، وتاريخ ابن الفرات ، مجلّد ٤ ج ٤ / ١.

(٣) المنتظم ١٠ / ٢٢٢ (١٨ / ١٧٦) ، الكامل ١١ / ٣٣٢ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٤.

(٤) الكامل ١١ / ٣٣٢.

١١

سنة أربع وستين وخمسمائة

[الإيقاع بالعيّارين]

فيها واقع غلمان الخليفة العيّارين بالدّجيل ، وقتل كثير منهم ، وجاءوا برءوسهم ، وأخذ قائدهم ، ثمّ صلب ببغداد وتسعة من اللّصوص (١).

[مصادرة الأمير قيماز]

وفيها صودر الأمير قيماز ببغداد ، وأخذ منه ثلاثون ألف دينار ، وانكسر بذلك (٢).

[مسير أسد الدين إلى مصر]

وفيها كان مسير أسد الدّين إلى مصر المسير الثّالث ، وذلك أنّ الفرنج قصدت الدّيار المصريّة في جمع عظيم ، وكان السّلطان نور الدّين في جهة الشّمال ونواحي الفرات ، فطلعوا عليه من عسقلان ، وأتوا بلبيس فحاصروها ، وملكوها ، واستباحوها ، ثمّ نزلوا على القاهرة ، فحاصروها ، فأحرق شاور مصر خوفا من الفرنج ، فلمّا ضايقوا القاهرة بعث إلى ملكهم يطلب الصّلح على ألف ألف دينار ، يعجّل له بعضها. فأجابه به ملك الفرنج مرّي (٣) إلى ذلك ، وحلف له ، فحمل إليه شاور مائة ألف دينار وماطله بالباقي (٤).

__________________

(١) المنتظم ١٠ / ٢٢٦ (١٨ / ١٨٢) ، تاريخ ابن الفرات م ٤ ج ١ / ١٧.

(٢) المنتظم ١٠ / ٢٢٧ (١٨ / ١٨٣).

(٣) يسمّى بالإنكليزيةIcirlamA ، وبالفرنسيةiruammA.

(٤) الكامل ١١ / ٣٣٥ ـ ٣٣٧ ، التاريخ الباهرة ١٣٧ ، ١٣٨ ، تاريخ ابن سباط ١ / ١٢٠ ، الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩١ ، تاريخ الزمان ١٨١ ، أخبار الدول المنقطعة ١١٦ ، سنا البرق

١٢

وكاتب في غضون ذلك الملك العادل نور الدّين يستنجد به ، وسوّد كتابه ، وجعل في طيّه ذوائب النّساء ، وواصل كتبه يستحثّه ، فكان بحلب ، فساق أسد الدّين من حمص إلى حلب في ليلة (١).

قال القاضي بهاء الدّين يوسف بن شدّاد (٢) : قال لي السّلطان صلاح الدّين : كنت أكره النّاس في الخروج إلى مصر هذه المرّة ، وهذا معنى قوله :

(فَعَسى (٣) أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (٤).

[دعوة صلاح الدين لدخول مصر]

وقال ابن الأثير (٥) : حكي عن صلاح الدّين قال : لمّا وردت الكتب من مصر إلى نور الدّين أحضرني وأعلمني الحال ، وقال : تمضي إلى عمّك أسد الدّين مع رسولي تحثّوه على الحضور. ففعلت ، فلمّا سرنا عن حلب ، ميلا لقيناه قادما ، فقال له نور الدّين : تجهّز. فامتنع خوفا من غدرهم أوّلا ، وعدم ما ينفقه في العسكر آخرا ، فأعطاه نور الدّين الأموال والرجال ، وقال : إن تأخّرت عن مصر سرت أنا بنفسي ، فإن ملكها الفرنج لا يبقى معهم بالشّام مقام.

__________________

= الشامي ١ / ٧٤ ، المغرب في حلى المغرب ٩٥ ، ٩٦ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٧ ، تاريخ ابن الوردي ٢ / ٧٤ ، العبر ٤ / ١٨٤ ، دول الإسلام ٢ / ٧٧ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٥ وفيه : «وعجّل لهم من ذلك ثمانمائة ألف دينار» ، تاريخ ابن الفرات م ٤ ج ١ / ٢٤ ، ٢٥.

(١) الكامل ١١ / ٣٣٨ ، التاريخ الباهر ١٣٩ ، الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩١ ، ٣٩٢ ، سنا البرق الشامي ١ / ٧٥ ، زبدة الحلب ٢ / ٣٢٦.

(٢) في النوادر السلطانية ٣٩.

(٣) في الأصل : «وعسى» وهو غلط.

(٤) سورة النساء ، الآية ١٩ ، والنص في (النوادر) : «كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة ، وما خرجت مع عمّي باختياري ، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى : (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)».

(٥) في الكامل ١١ / ٣٤٢ ، ٣٤٣ ، والتاريخ الباهر ١٤١ ، وانظر : النوادر السلطانية ٣٨ ، ٣٩ ، والروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩٣ ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٧.

١٣

فالتفت إليّ عمّي وقال : تجهّز يا يوسف. [قال] : فكأنّما ضرب قلبي بسكّين! فقلت : والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها. فلقد قاسيت بإلاسكندريّة من المشاقّ ما لا أنساه (١).

فقال عمّي لنور الدّين : لا بدّ من مسيره معي. فترسم له. فأمرني نور الدّين وأنا أستقيله ، وانقضى المجلس.

ثمّ قال نور الدّين : لا بدّ من مسيرك مع عمّك. فشكوت الضّائقة ، فأعطاني ما تجهّزت به ، وكأنّما أساق إلى الموت.

وكان نور الدّين مهيبا ، مخوفا ، مع لينه ورحمته ، فسرت معه. فلمّا توفّي أعطاني الله من الملك ما [لا] (٢) كنت أتوقّعه (٣).

[وزارة أسد الدين]

رجعنا إلى ذكر مسير أسد الدّين ، فجمع الجيوش ، وسار إلى دمشق ، وعرض الجيش ، ثمّ سار إلى مصر في جيش عرمرم ، فقيل : كانوا سبعين ألف فارس وراجل. فتقهقر الفرنج لمجيئه ، ودخل القاهرة في ربيع الآخر ، وجلس في الدّست ، وخلع عليه العاضد خلع السّلطنة ، وولّاه وزارته (٤) ، وهذه نسخة العهد :

«من عبد الله أبي محمد عبد الله بن يوسف العاضد (٥) لدين الله أمير المؤمنين ، إلى السّيّد الأجلّ ، الملك المنصور ، سلطان الجيوش ، وليّ الأئمّة (٦) ، أسد الدّين (٧) ، هادي دعاة المؤمنين ، أبي الحارث شير كوه

__________________

(١) تاريخ ابن سباط ١ / ١٢٢.

(٢) ما بين الحاصرتين ساقطة من الأصل. أضفتها من : الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩٤.

(٣) العبارة في الكامل ١١ / ٣٤٣ : «ثم توفّي فملّكني الله تعالى ما لم أكن أطمع في بعضه».

(٤) التاريخ الباهر ١٣٩.

(٥) في الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٢ : «من عبد الله ووليّه أبي محمد العاضد».

(٦) في الروضتين زيادة : «مجير الأمّة».

(٧) في الروضتين زيادة : «كامل قضاة المسلمين ، و».

١٤

العاضديّ ، عضّد الله به الدّين ، ومتّع (١) ببقائه أمير المؤمنين ، وأدام أقدرته ، وأعلى (٢) كلمته ، سلام عليك ، فإنّا نحمد الله (٣) الّذي لا إله إلّا هو ، ونسأله (٤) أن يصلّي على محمّد (٥) سيّد المرسلين ، وعلى آله الطّاهرين ، والأئمّة المهديّين ..» ثمّ أتبع ذلك بخطبتين بليغتين ، وأنّه ولّاه الوزارة ، وفوّض إليه تدبير الدّولة.

وكتب هو في أعلى (٦) المنشور بخطّه : «هذا عهد لم يعهد (٧) لوزير بمثله ، فتقلّد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا (٨) لحملها (٩) ، والحجّة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله ، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة ، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزّت بك بنو النّبوّة (١٠) ، واتّخذ (١١) للفوز سبيلا (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) (١٢).

[قتل شاور]

وكان هذا قبل مقتل شاور ، وهو أنّ أسد الدّين لمّا دخل القاهرة فأقام شاور بضيافته وضيافة عسكره ، وتردّد إلى خدمته ، فطلب منه أسد الدّين مالا ينفقه على جيشه ، فماطله. فبعث إليه الفقيه ضياء الدّين عيسى بن محمد الهكّاريّ يقول : إنّ الجيش طلبوا نفقاتهم ، وقد مطلتهم بها ، وتغيّرت

__________________

(١) في الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٣ «أمتع».

(٢) في الأصل : «أعلا» في الموضعين.

(٣) في الروضتين : «فإنه يحمد إليك الله.

(٤) في الروضتين : «ويسأله».

(٥) في الروضتين : «على محمد خاتم النبيّين ، وسيّد ..».

(٦) في الأصل : «أعلا» في الموضعين.

(٧) في الروضتين : «هذا عهد لا عهد» ، والمثبت يتفق مع : مفرّج الكروب ١ / ١٦٤.

(٨) في الأصل : «أهل» وهو غلط.

(٩) في الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٢ ، ومفرّج الكروب : «لحملة».

(١٠) في الروضتين ، ومفرّج الكروب : «بأن اعتزّت خدمتك إلى بنوة النبوة».

(١١) في المصدرين : «واتّخذه».

(١٢) سورة النحل ، الآية ٩١.

١٥

قلوبهم ، فإذا أبيت فكن على حذر منهم. فلم يؤثّر هذا عند شاور ، وركب على عادته ، وأتى أسد الدّين مسترسلا ، وقيل : إنّه تمارض ، فجاء شاور يعوده (١) ، فاعترضه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب وجماعة من الأمراء النّوريّة ، فقبضوا عليه ، فجاءهم رسول يطلب رأس شاور ، فذبح وحمل رأسه إليه (٢).

[موت شير كوه]

ثمّ لم يلبث أسد الدّين أن حضرته المنيّة بعد خمسة وستّين يوما من ولايته (٣).

__________________

(١) في الأصل : «يعوضه».

(٢) الكامل ١١ / ٣٤٠ ، التاريخ الباهر ١٤٠ ، تاريخ ابن سباط ١ / ١٢١ ، النوادر السلطانية ٣٩ ، ٤٠ ، الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩٧ و ٣٩٨ ، تاريخ الزمان ١٨٢ ، تاريخ مختصر الدول ٢١٢ ، أخبار الدول المنقطعة ١١٦ ، سنا البرق الشامي ١ / ٧٨ ، مفرّج الكروب ١ / ١٦٠ ـ ١٦٧ ، المغرب في حلى المغرب ٩٦ ، المختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٥ ، ٤٦ ، نهاية الأرب ٢٨ / ٣٤٢ ، ٣٤٣ ، زبدة الحلب ٢ / ٣٢٧ ، مرآة الزمان ٨ / ٢٧٧ ، ٢٧٨ ، والدر المطلوب ٣٥ ، ومرآة الجنان ٣ / ٣٧٤ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٦ ، اتعاظ الحنفا ٣ / ٣٠١ ، والنجوم الزاهرة ٥ / ٣٣٩ و ٣٥١ ، ٣٥٢ ، تاريخ الخلفاء ٤٤٤ ، بدائع الزهور ج ١ ق ١ / ٢٣٢ ، تاريخ ابن الفرات م ٤ ج ١ / ٢٩ ـ ٣٣ ، شفاء القلوب ٢٦ ، ٣٥.

(٣) انظر (وفاة شيركوه) في : الكامل في التاريخ ١١ / ٣٤١ ، والتاريخ الباهر ١٤١ ، والنوادر السلطانية ٤٠ ، ٤١ ، والروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٥ ، وتاريخ مختصر الدول ٢١٢ ، وأخبار الدول المنقطعة ١١٦ ، وسنا البرق الشامي ١ / ٨٠ ، ٨١ ، والمغرب في حلى المغرب ٩٦ وفيه : «فكانت مدّة وزارته ستين يوما» ، والمختصر في أخبار البشر ٣ / ٤٧ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ٧٥ ، ونهاية الأرب ٢٨ / ٣٤٣ ، و ٣٥٧ ، ومفرّج الكروب ١ / ١٦٥ ، واتعاظ الحنفا ٣ / ٣٠٤ ، وزبدة الحلب ٣ / ٤٣٢٨ ، ومرآة الزمان ٨ / ٢٧٨ ، الدر المطلوب ٣٥ وفيه : «فكانت مدّة وزارته ثمانية أشهر»! و ٢٦ و ٤٠ وفيه : «لم يقم في الوزارة غير أربعة أشهر ، وقيل ثمانية أشهر على اختلاف الرواة في ذلك» ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٦ ، النجوم الزاهرة ٥ / ٣٥٢ ، وتاريخ الخلفاء ٤٤٤ ، وبدائع الزهور ج ١ ق ١ / ٢٣٢ ، وتاريخ ابن الفرات م ٤ / ج ١ / ٥٠ ـ ٥٥.

١٦

[تقليد صلاح الدين أمور الخليفة]

وقلّد العاضد الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف الأمور ، وهو لقّبه الملك النّاصر ، وكتب تقليده القاضي الفاضل. فقام بالسّلطنة أتمّ قيام (١).

قال العماد في «البرق الشّاميّ» (٢) بعد أن ذكر استباحة الفرنج بلبيس : فأناخوا على القاهرة معوّلين على المحاصرة في عاشر صفر ، فخاف النّاس من نوبة بلبيس ، فلو أنّ الفرنج لم يعمدوا بالسّوء في بلبيس لوثقت منهم القاهرة ، ولم تدم المحاصرة. وأحرق شاور مصر ، وخاف عليها منهم ، فبقيت النّار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما. وكان غرضه أن يأمن عليها من العدوّ الكافر. ثمّ عرف العجز ، فشرع في الحيل ، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل له المودّة ، وأنّه يراه لدهره العمدة ، فأحسن له العدّة ، ووفّر لرجائه الجدّة ، وقال : أمهلني حتّى أجمع لك الدّنانير ، وأنفذ لك منها قناطير ، وأطمعه (٣) في ألف ألف دينار معجّلة ومنجّمة ، وتوثّق منه بمواثيق مستحكمة ، ثمّ قال له : ترحل عنّا ، وتوسع الخناق ، وتترك الشّقاق. وعجّل له مائة ألف دينار حيلة وخداعا ، ووصل بكتبه نور الدّين مستصرخا مستنفرا ، وفي طيّها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة ، وبقي ينفّذ للفرنج في كلّ حين مالا ، ويطلب منهم إمهالا ، حتّى أتى الغوث ، فسلب أسد الدّين القرار ، وساق في ليلة إلى حلب ، وقال إنّ الفرنج قد استحكم في البلاد المصريّة طمعهم ، وليس في الوجود غيرك من يرغمهم ، ومتى تجمع العسكر؟ وكيف تدفعهم؟ فقال له :

خزانتي لك ، فخذ منها ما تريد ، ويصحبك أجنادي. وعجّل له بمائتي ألف دينار ، وأمر خازنه وليّ الدّين إسماعيل بأن يعطيه ما يطلب. فقال : أمضي إلى الرحبة لجمع التّركمان.

__________________

(١) الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٦ ، أخبار الدول المنقطعة ١١٦ ، نهاية الأرب ٢٨ / ٣٥٩ ، البداية والنهاية ١٢ / ٢٥٦ ، النجوم الزاهرة ٥ / ٣٣٩ ، تاريخ الخلفاء ٤٤٤ ، بدائع الزهور ج ١ ق ١ / ٢٣٣.

(٢) في الجزء الضائع من الكتاب ، ويوجد نحوه في الروضتين ج ١ ج ٢ / ٣٩١ ، ٣٩٢.

(٣) في الأصل : «أطعمه».

١٧

وذهب نور الدّين ليتسلم قلعة جعبر ، وحشد أسد الدّين وحشر ، وأسرع نور الدّين بالعود إلى دمشق. وخرجنا إلى الفوّار ، وأسد الدّين هناك في العسكر الجرّار ، وأطلق لكلّ فارس عشرين دينارا ، ورحلوا على قصد مصر.

وخيّم نور الدّين بمن أقام معه على رأس الماء ، (١) فجاء البشير برحيل الفرنج عن القاهرة عند وصول خبر العسكر ، (٢) فدخلوا مصر في سابع (٣) ربيع الآخر ، وتودّد شاور إلى أسد الدّين وتردّد ، وتجدّد بينهما من الودّ ما تأكّد (٤).

ثمّ ساق «العماد» نحو ما قدّمنا ، وأنّه قتل في سابع عشر ربيع الآخر.

ثمّ قال (٥) : «ولمّا فرغ العسكر بمصر بعد ثلاثة أيّام من التّعزية بأسد الدّين اختلفت آراؤهم ، واختلطت أهواؤهم ، وكاد الشّمل لا ينتظم (٦) ، فاجتمع الأمراء النّوريّة على كلمة واحدة ، وأيد متساعدة ، وعقدوا لصلاح الدّين الرأي والراية ، وأخلصوا له الولاء والولاية ، وقالوا : هذا مقام (٧) عمّه ، ونحن بحكمه ، وألزموا صاحب القصر بتوليته ، ونادت السّعادة بتلبيته ، وشرع في ترتيب الملك وتربيته (٨) ، وسلّط الجود على الموجود ، وبسط الوفور للوفود».

قال القاضي بهاء الدّين بن شدّاد (٩) : وكانت الوصيّة إلى صلاح الدّين. من عمّه ، ولمّا فوّض إليه تاب من الخمر ، وأعرض عن اللهو (١٠). ولقد

__________________

(١) رأس الماء : من أرض حوران وتقع على طريق الحج ، شمال درعا وجنوب دمشق.

(٢) الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩١ ـ ٣٩٣ و ٤٦٤.

(٣) في الروضتين ج ١ ق ٢ / ٣٩٨ «في الرابع».

(٤) الروضتين ج ١ / ق ٢ / ٣٩٨.

(٥) قول العماد في الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٩ ، وفي سنا البرق الشامي ١ / ٨١.

(٦) زاد في الروضتين : «والخلل لا يلتئم» ، ومثله في : سنا البرق الشامي ١ / ٨١.

(٧) في الروضتين «هذا قائم مقامه» ، والمثبت يتفق مع سنا البرق ١ / ٨١.

(٨) زاد في الروضتين : «ورفض ختوم الخزائن ، وأبضّ رسوم المزاين» ، وانظر : سنا البرق ١ / ٨١.

(٩) في النوادر السلطانية ٤٠ ، ٤١.

(١٠) تاريخ ابن سباط ١ / ١٢٤.

١٨

سمعته يقول لمّا يسّر الله ديار مصر : علمت أنّه أراد فتح السّاحل ، لأنّه أوقع ذلك في نفسي.

وقال ابن واصل (١) : لمّا مات أسد الدّين كان ثمّ جماعة ، منهم عين الدّولة الياروقيّ ، وقطب الدّين خسرو الهذبانيّ (٢) ، وسيف الدّين عليّ المشطوب (٣) ، وشهاب الدّين محمود الحارميّ خال صلاح الدّين ، وكلّ منهم تطاول إلى الأمر ، فطلب العاضد صلاح الدّين ليولّيه الأمر ، حمله على ذلك ضعف صلاح الدّين ، وأنّه لا يجسر أحد على مخالفته ، فامتنع وجبن ، فألزم وأحضر إلى القصر ، وخلع عليه ، ولقّب بالملك النّاصر صلاح الدّين ، وعاد إلى دار الوزارة ، فلم يلتفت إليه أولئك الأمراء ولا خدموه ، فقام بأمره الفقيه ضياء الدّين عيسى الهكّاريّ ، وأمال إليه المشطوب ، ثمّ قال لشهاب الدّين :

هذا هو ابن أختك ، وملكه بك ، ولم يزل به حتّى حلّفه له (٤) ، ثمّ أتى قطب الدّين وقال : إنّ صلاح الدّين قد أطاعه النّاس ، ولم يبق غيرك وغير عين الدّولة ، وعلى كلّ حال ، فالجامع بينك وبين صلاح الدّين أنّ أصله من الأكراد ، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه ، فلان وحلف (٥). ثمّ ذهب ضياء الدّين واجتمع بعين الدّولة الياروقيّ ، وكان أكبر الجماعة ، وأكثرهم جمعا ، فلم تنفع رقاه ، وقال : لا أخدم يوسف أبدا. وعاد إلى نور الدّين ومعه غيره ، فأنكر عليهم فراقهم له.

قال العماد (٦) : وكان بالقصر أستاذ خصيّ يلقّب مؤتمن الخلافة (٧) ،

__________________

(١) في مفرّج الكروب ١ / ١٦٨.

(٢) في مفرّج الكروب : «قطب الدين خسرو بن تليل ، وهو ابن أخي أبي الهيجاء الهذباني الّذي كان صاحب إربل».

(٣) في المفرّج : «سيف الدين علي بن أحمد المشطوب». وفي التاريخ الباهر ٢٥٥ ، والروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٠٦ «سيف الدين علي بن أحمد الهكاري».

(٤) في الأصل : «به». والمثبت عن : التاريخ الباهر ، والروضتين.

(٥) هكذا في الأصل. وفي التاريخ الباهر والروضتين : «فأطاع صلاح الدين أيضا».

(٦) قول العماد في (الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٥٠) ، وسنا البرق الشامي ١ / ٨٢.

(٧) اسمه «جعفر». كما في : مفرّج الكروب ١ / ١٧٤ ، والمواعظ والاعتبار ١ / ٩٧.

١٩

لأمره نفاذ ، وبه في الشّدّة عياذ ، وله بتحيّل الحيل لياذ ، وعلى القصر استحواذ ، فتشمّر وتنمّر ، وقال : من كسرى ، ومن كيقباذ (١)؟. وتآمر هو ومن شايعه وبايعه على مكاتبة الفرنج ، فكاتبوهم خفية ، فاتّفق أنّ تركمانيّا عبر بالبير البيضاء (٢) ، فرأى نعلين جديدين مع إنسان ، فأخذهما وجاء بهما إلى صلاح الدّين ، فوجد في البطانة خرقا مكتوبة ، مكتومة ، مختومة ، بالشرّ محتومة ، وإذا هي إلى الفرنج من القصر ، يرجون بالفرنج النّصر ، فقال : دلّوني على كاتب هذا الخطّ. فدلوه على يهوديّ من الرّهط ، فلمّا أحضروه لفظ بالشّهادتين ، واعترف أنّه بأمر مؤتمن الخلافة كتبه ، واستشعر الخصيّ العصيّ ، وخشي أن تسبقه (٣) على شقّ العصا العصيّ ، فلزم القصر. وأعرض عنه صلاح الدّين ، ثمّ خرج إلى قرية له (٤) ، فأنهض له السّلطان صلاح الدّين من أخذ رأسه في ذي القعدة.

ولمّا قتل هذا الخادم سار (٥) السّودان وثاروا ، ومن استعار السّعير استعاروا ، وأقاموا ثاني يوم قتله وجيّشوا ، وكانوا أكثر من خمسين ألفا ، من كلّ أنبس أغلس ، أحمر أحمس (٦) ، أجرى أجرس ، ألسع أليس ، أسود أسود ، وأسحم حسامه يحسم ، فحسبوا أنّ كلّ بيضاء شحمة ، وكلّ سوداء فحمة (٧) ، وحمراء لحمة ، وأنّ كلّ ما أسدوه من العجاج مناله لحمة ، فأقبلوا ونصرائهم

__________________

(١) النص في سنا البرق الشامي مختلف : «وكان بالقصر أستاذ ، له على حكم القصر استحواذ ، وبدا من شرار شرّه دخان ، ومن رشاش كيده رذاذ».

(٢) البير البيضاء : قريبة من بلبيس بينها وبين الخانكة ، ومكانها اليوم عزبة أبي حبيب بناحية الزوامل في حوض يعرف الآن باسم حوض البيضاء. وفي معجم البلدان : البيضاء اسم لأربع قرى في مصر ، الأولى من كورة الشرقية (وهي المقصودة هنا) ، والثانية : غربيّ النيل بين مصر والإسكندرية ، والثالثة : من ضواحي الإسكندرية ، والرابعة : قرب المحلّة. (انظر : الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٥٠ حاشية ٣).

(٣) في الأصل : «تشنقه» ، والتحرير من : الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٥١.

(٤) يقال لها : الخرقانية. وفي سنا البرق الشامي ١ / ٨٣ : «وكان له قصر يقال له الخرقانية».

(٥) هكذا في الأصل. وفي الروضتين ج ١ ق ٢ / ٤٥١ : «غار» ، ومثله في سنا البرق ١ / ٨٣.

(٦) في سنا البرق ١ / ٨٣ : «من كل أخضر ينظر من عينيه الموت الأحمر».

(٧) انظر : مجمع الأمثال للميداني ٢ / ١٥٦.

٢٠